في شهر آذر 1403 (ديسمبر 2024)، عُقدت ندوة تخصصية مثيرة للتأمل بحضور نخبة من أبرز أساتذة العلوم الأساسية في إيران بمؤسسة أبحاث العتبة الرضوية المقدسة. وقد شكل هذا اللقاء، الذي شارك فيه أساتذة من جامعات مرموقة مثل جامعة فردوسي مشهد، وجامعة شريف التكنولوجية، وجامعة طهران، وجامعة أصفهان، ومعهد الدراسات الأساسية، إلى جانب باحثين متميزين من منظمة سپند، فرصة فريدة لنخبة مؤثرة من العلماء لتحليل وضع العلم اليوم في إيران والعالم الإسلامي في جو حميمي لكنه عميق وموجه نحو حل المشكلات.
ما برز بوضوح في هذه الندوة هو الإجماع العميق بين الحضور حول قضية محورية: إن التحدي الذي يواجه المجتمع العلمي الإيراني والمسلمين اليوم يتجاوز زيادة إنتاج الأوراق البحثية وتحسين المؤشرات الدولية، إلى ضرورة إعادة التفكير في أصول العلم ومعناه واتجاه حركته. وهي قضية تظهر خاصة في العالم الإسلامي على شكل ابتعاد العلم عن الهوية الثقافية والروحية للأمة الإسلامية، وانفصاله عن المنابع المعرفية للقرآن الكريم.
في هذه الندوة، بدلاً من التركيز على الفكرة العامة لـ”ربط العلم بالقرآن” التي تكررت بصورة نمطية لسنوات، تم التأكيد على نهج الاستلهام من القرآن في عملية إنتاج العلم؛ استلهام يمكن أن يلعب دوراً خالقاً وأساسياً في مراحل صياغة الأسئلة، والنظرية، وتحديد آفاق البحث، وحتى مراجعة المنهجية العلمية. فالقرآن، ككتاب هداية وتعقل، لا يقتصر على ذكر الأخلاق والروحانيات؛ بل بدعوته المتكررة للتأمل في الظواهر الطبيعية، ومعرفة نظم الوجود، وفهم العلاقات المعقدة للعالم، يوفر أرضية خصبة لتشكيل نهج جديد للعلم.
عرض الحضور أمثلة على القدرات الكامنة في الآيات القرآنية المتعلقة بالخلق، والحياة، والفيزياء الكونية، والهياكل البيولوجية، وديناميكيات النفس البشرية، موضحين أن القرآن يمكن أن يزرع بذور الفكر العلمي الجديد في قلوب الباحثين؛ بشرط أن يتم هذا الاستلهام ليس بنية التوفيق العجول بين النتائج العلمية والآيات، ولكن بمنهجية تركز على حل المشكلات، وتحرر الفكر، مع الالتزام بأصول القرآن.
في هذا الإطار، تم توجيه انتقادات صريحة وبناءة للوضع الحالي للنظام العلمي في البلدان المسلمة؛ بما في ذلك إهمال القضايا العميقة والمثيرة للتحدي، والابتعاد عن جرأة التنظير، والاعتماد المفرط على نماذج البحث المستوردة التي غالباً ما تكون غريبة عن الأسس الفكرية للعالم الإسلامي. واتفق الحضور على أنه إذا كان للعلم أن يعود إلى مكانته الحضارية في العالم الإسلامي، فيجب تجاوز التقليد المحض والتوجه نحو تعريف نماذج محلية لإنتاج المعرفة، مع الاعتماد على التراث المعرفي للقرآن.
وتصورت الندوة رؤية مستقبلية للمسار التطوري للمجتمع العلمي المسلم. وفقاً لهذه الرؤية، يمكن لتشكيل هيئات علمية معتمدة، وشبكات النخب، ومعاهد البحث ذات النهج المستلهم من القرآن، أن تؤسس لجيل من العلماء الذين يجمعون بين الإلمام الكامل بأصول المنهج العلمي والاستلهام من عمق الفكر القرآني، ويطرحون أسئلة تنبع من هموم وجودية وإنسانية وحضارية.
كما تم التأكيد على أن مسار هذا التحول يحتاج إلى بنى تحتية جادة؛ بما في ذلك دعم مشاريع البحث متعددة التخصصات مع التركيز على الاستلهام من القرآن، وتحسين جودة الإنتاج العلمي إلى المستوى الأصيل بناءً على الإشارات التي يقدمها القرآن والدين الإسلامي للطبيعة، وتوفير سبل المشاركة الدولية للباحثين المسلمين في جميع أنحاء العالم.
اختتمت الندوة على أمل أن تكون هذه البداية، ليس مجرد ملاحظة هامشية في اجتماعات علمية، بل خطوة أولى نحو بناء منظومة جديدة في العلم؛ منظومة يتبوأ فيها العالم المسلم، مستنداً إلى الإيمان والعقل والشجاعة العلمية، الصدارة في التنظير العالمي، ويسهم إسهاماً أصيلاً في تشكيل مستقبل العلم البشري. هذه الندوة بشّرت بميلاد تيار يخرج العلم من قالب النفعية الجافة ويعيده إلى المعنى والحكمة والحقيقة.