Main content starts here
الوحي إلى النحل: الإدراك والهداية والمرونة المعرفية في ضوء الآيات القرآنية

الوحي إلى النحل: الإدراك والهداية والمرونة المعرفية في ضوء الآيات القرآنية

Go to content

يمتلك مفهوم الوحي في القرآن الكريم دلالة واسعة لا تقتصر على الأنبياء فحسب. فقد ورد هذا المصطلح في سياق البشر المختصين والملائكة والأرض وكذلك النحل. ولكن لماذا خُصّ النحل من بين جميع الكائنات الحية بهذا المفهوم القرآني؟ هذا التساؤل يقودنا إلى التأمل في المكانة الإدراكية والهداية الخاصة لهذا الكائن.

كلمة “الوحي” في اللغة العربية تعني إيصال الرسالة بشكل سريع وخفي. وقد استخدم هذا المصطلح في القرآن في سياقات متعددة، يحمل في كل منها معنى خاصًا يتناسب مع مخاطبه. لكن ثمة سمة مشتركة في جميع هذه الحالات: فالوحي رسالة تصل إلى المتلقي دون تحريف، فيستقبلها وينفذها بكاملها دون نقصان. وهذا يتطلب من المتلقي امتلاك القدرات الإدراكية الكافية لفهم هذه الرسالة بدقة وكمال وبدون تغيير.

في سورة النحل، يقول تعالى:
“وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًۭا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴿٦٨﴾ ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًۭا ۚ يَخْرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٌۭ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٌۭ لِلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٦٩﴾”

في هذه الآية، يُؤمر النحل ببناء مساكنه في الجبال والأشجار وما يقيمه البشر، والتغذي من جميع الثمار، والسير في السبل التي أعدت له. هذه السبل تتميز بخصائص تجعل حركة النحل سهلة وموجهة، ولكن هل يشير ذلك إلى خصائص المسارات أم إلى طريقة حركة النحل؟ هذه نقطة تستحق التأمل.

الوحي هو نقل رسالة بشكل خاص يتطلب من المتلقي القدرة على معالجتها وتنفيذها. هذه السمة توضح أن الوحي للنحل ليس مجرد هداية تكوينية، بل يشمل أيضًا معالجة واعية على مستوى السلوك واتخاذ القرار. تؤكد الدراسات العلمية أن النحل، رغم صغر حجم دماغه، يمتلك قدرات إدراكية مدهشة تمكنه من تحديد المسارات المثلى واتخاذ أفضل القرارات في المواقف المعقدة.

من بين هذه القدرات:

  • الإدراك العددي وفهم العلاقات الرياضية (العد، تمييز الأعداد وحتى فهم مفهوم الصفر)
  • الذاكرة المكانية والقدرة المتقدمة على التوجه (تخزين خرائط ذهنية واستخدامها للعودة إلى الخلية)
  • التواصل ونقل المعلومات من خلال التعلم الاجتماعي (حركات الرقص لنقل إحداثيات مصادر الغذاء)
  • حل المشكلات والتكيف مع التغيرات البيئية (تغيير الأسلوب عند مواجهة العوائق)

قبول الوحي يعني أن يكون لدى المتلقي – رغم امتلاكه لقدرات إدراكية مستقلة – المرونة الكافية لتعديل مساره بناءً على الحقيقة التي تصل إليه. هذه السمة تُعرف في العلوم الإدراكية باسم “المرونة المعرفية”: وهي القدرة على تغيير المسار الفكري والسلوكي استنادًا إلى معلومات جديدة، حتى لو تعارضت مع التجارب السابقة.

بهذه الرؤية، يقودنا الوحي إلى النحل إلى فهم أعمق للإدراك والهداية والقبول الواعي للمسارات الجديدة. هذه الآية، إلى جانب جميع أبعادها العلمية، توجهنا إلى سؤال جوهري: إذا كان هذا المستوى من المعالجة الإدراكية ممكنًا في كائن صغير، فكيف يكون الحال في الإنسان باعتباره أشرف المخلوقات؟