يقدم القرآن الكريم في آية بالغة الدلالة صورة لبيت العنكبوت تبدو للوهلة الأولى وكأنها تناقض علمي:
“مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتًۭا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ
من الناحية البيولوجية، يُعتبر بيت العنكبوت من أكثر الهياكل الهندسية الطبيعية إبهاراً. فخيوطه من أقوى المواد الحيوية المعروفة في العالم؛ حيث تفوق متانتها الفولاد بعدة مرات مع وزن ضئيل، بينما تمنحها مرونتها الفريدة القدرة على تحمل الشدّ الشديد دون انقطاع. لكن روعة بيت العنكبوت لا تكمن فقط في متانة خيوطه، بل في طريقة بنائه من قبل العنكبوت نفسه.
يعمل العنكبوت مثل طابعة ثلاثية الأبعاد حية، أو حتى رباعية الأبعاد إذا أخذنا في الاعتبار بُعد الزمن وديناميكية حركاته، حيث ينسج خيوطه في اتجاهات متعددة، ويُدير في كل لحظة التركيب الشبكي لبيته بدقة مذهلة. خلال هذه العملية، لا يفقد توازنه، ويُسيطر تماماً على مسير النسيج، وتكون حركاته متناسقة ومحسوبة بدقة وكأن مهندساً يمتلك خوارزمية متطورة يبني بيتاً ذكياً بالكامل. بل إنه قادر أثناء العملية على تعديل مسار خيوطه لتتكيف مع أي تغيرات في البيئة المحيطة.
هذا البناء الحي المصنوع من أكثر المواد البيولوجية تطوراً، يكون في المقاييس الأكبر أوهن البيوت على الإطلاق. فمجرد لمسة بسيطة، أو قطرة مطر، أو نسمة هواء خفيفة كفيلة بأن تُسقط هذا الهيكل المعقد بسهولة. في عالمه الصغير، العنكبوت صياد قوي وباني تحفة هندسية، لكن على مقياس أوسع، بيته أكثر الهياكل عدم استقراراً في الطبيعة.
هنا يتجلى مفهوم “مقياس القوة”. ففي عالمه الصغير، بيت العنكبوت قوي، لكنه في مواجهة الكون الأوسع لا شيء. كل شيء دون الله، مهما بدا قوياً على المقياس البشري، سيكون أمام القوة الإلهية أوهن من بيت العنكبوت.
يقدم القرآن هذا المثل في سياق الآيات التي تتحدث عن مصير حضارات مثل عاد وثمود. تلك الحضارات التي كانت أبنيتها الضخمة وهندستها المعقدة مصدر إعجاب في زمانها. عاد التي بنت مدناً عالية الأعمدة وظنت نفسها في مأمن من كل خطر، وثمود التي نحتت بيوتها في الجبال لتحميها حتى من الزلازل. لكن كما ينهار بيت العنكبوت رغم تعقيده ومتانة خيوطه أمام قوة أعظم، اختفت هذه الحضارات فجأة.
فرعون الذي اعتمد على قوته العسكرية الفريدة، وقارون الذي ظن أن كنوزه سند دائم له، وهامان الذي أتقن فن المكر والسياسة، كلهم بدوا في مقياس عالمهم لا يُقهرون. لكن أمام القوة الإلهية، ما بنوه وما اعتمدوا عليه كان أقل استقراراً من بيت العنكبوت. هذه هي الحقيقة التي يؤكد عليها القرآن: كل قوة تُعتمد دون الله ستنهار أمام القوة المطلقة.
لكن هذه الآية ليست مجرد تحذير، بل هي دعوة للفهم العلمي والتعمق. يقول الله في ختام الآية “لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ”، ويؤكد في الآية 43 “وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا ٱلْعَٰلِمُونَ”، مما يعني أن فهم هذا المثل يحتاج إلى علم. من لا يعرف خصائص خيوط العنكبوت، أو طريقة هندسته لبيته، أو قدراته الخارقة في الملاحة والصيد، لن يفهم التناقض الظاهري في هذا المثل. أما من يدرك أن هذا البيت، رغم تطوره، غير مستقر على المقياس الأكبر، فسيفهم مغزى الآية.
هنا لا يدعونا القرآن فقط إلى التوحيد، بل أيضاً إلى المعرفة والتفكير وفهم قوانين الطبيعة. التأكيد المتكرر على “العلم” في هذه الآيات يظهر أن الفهم الحقيقي لمثل هذه الأمثال لا يأتي إلا بالعلم. يحثنا الله على دراسة الخصائص البيولوجية والهندسية لهذه المخلوقات، لنصل من خلال فهم تعقيداتها إلى إدراك أعمق للخلق. هذه الآيات ليست فقط تحذيرات وإرشادات روحية، بل أيضاً طريقاً نحو البحث العلمي واكتشاف قوانين الطبيعة.
كما أن بيت العنكبوت في عالمه الصغير تحفة فريدة، لكنه أمام قوة أعظم يصبح أوهن البيوت، كذلك كل قوة أو ثروة أو حيلة تُعتمد دون الله، ستظهر قوية في عالمها الصغير، لكنها أمام قوة أعظم ستكون بلا قيمة وستنهار. هذا هو الدرس الذي يعلمنا إياه القرآن من خلال دعوته إلى العلم والتعقل ودراسة الطبيعة.
