لطالما دعانا القرآن إلى التأمل في آيات الطبيعة، تلك الآيات التي قد تبدو بسيطة للوهلة الأولى ولكنها تخفي في طياتها مفاهيم عميقة. ومن بين هذه الآيات، الإشارة إلى الغراب في الآية 31 من سورة المائدة. تصف هذه الآية طائرًا يبحث في الأرض، في مشهد يواجه فيه الإنسان حقيقة كان غافلاً عنها:
“فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَیْلَتَىٰ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ”
ما يلفت الانتباه في هذه الآية هو استخدام عبارة “يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ” التي تعني البحث في الأرض وليس الدفن. هذا الاختيار اللغوي يوجهنا لدراسة سلوك يتوافق تمامًا مع الخصائص الإدراكية لعائلة الغربان.
لقد كشفت الأبحاث العلمية الحديثة أن هذه العائلة من الطيور تمتلك ذاكرة مكانية متطورة، وقدرة على التخطيط للمستقبل، ومهارات حل مشكلات معقدة. بإمكانها تذكر مئات مواقع تخزين الطعام واستعادتها بعد أشهر دون أي مؤشرات خارجية. والأكثر إثارة أنها تقوم أحيانًا بنقل مخبآتها لمنع سرقتها من قبل الطيور الأخرى، بل وتتظاهر أحيانًا بدفن الطعام في مكان ما بينما تخبئه في مكان آخر. هذا السلوك يتطلب فهمًا معقدًا للبيئة وإدراكًا لنوايا المنافسين، وهي قدرات كان يُعتقد أنها تقتصر على الرئيسيات.
من منظور هذه الآية، الإنسان الذي يشاهد سلوك الغراب لا يستلهم منه فحسب، بل يصاب بالدهشة والعجز أمام المعرفة الكامنة في هذا الطائر الصغير. لقد واجه كائنًا قادرًا على تخزين المعلومات، وحفظ مسارات متعددة لاستعادة موارده، وحتى استخدام تكتيكات مضللة لحماية ممتلكاته. هذا المستوى من الإدراك أصبح اليوم موضوع دراسة في علم الأحياء المعرفي، مما وضع الغربان في مصاف أذكى الطيور في العالم.
أظهرت الدراسات أن هذه الطيور تؤدي في الاختبارات المعرفية أداءً مماثلاً لأطفال في السابعة من العمر. بإمكانها تخيل المستقبل، وصنع الأدوات، وحل المشكلات متعددة المراحل. فإذا كان الغراب في الآية القرآنية يقوم بسلوك يتطلب استخدام ذاكرة قوية ومعالجة للمعلومات المخزنة في الدماغ، أليس هذا دليلاً على التعقيد الإدراكي لهذا النوع من الكائنات؟
هذا التساؤل يفتح آفاقًا جديدة للبحث العلمي. إذا كانت ذاكرة الغربان القوية تمكنها من تذكر الماضي والتخطيط للمستقبل، فهل يمكن تعميم هذا على دور الذاكرة في التفكير الإبداعي وحل المشكلات لدى الكائنات الأخرى؟
وهل يمكن لمقارنة هذه الطيور مع كائنات أخرى أن تكشف عن دور الذاكرة في عملية اتخاذ القرار والتكيف مع البيئة؟
والأهم من ذلك، هل يمكننا الاستفادة من هذه الخصائص في تطوير خوارزميات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي؟
التأمل في هذه الآية يقودنا إلى فهم أعمق لمفاهيم الإدراك والتخطيط وفهم البيئة لدى الكائنات الحية. الإنسان الذي يلاحظ سلوك الغراب لا يتعلم مجرد تقنية، بل يواجه مستوى من الذكاء والإدراك لم يتوقع رؤيته في مثل هذا المخلوق. ولعل هذا هو بالضبط ما ينبغي أن نلتفت إليه: إذا كان القرآن قد أشار إلى الخصائص المعرفية للغربان منذ أكثر من ألف عام، فما هي المفاهيم العلمية الأخرى التي قد تكون كامنة في هذا الكتاب ولم تُكتشف بعد؟
