Main content starts here
الغراب معلماً للإنسان

الغراب معلماً للإنسان

"الغراب، هذا المعلم المجهول للطبيعة، يُعلّم الإنسان أن الإجابة على أعقد المسائل قد تكمن في أبسط سلوكيات الخلق؛ ألم يحن الوقت لأن نعود بتواضع إلى مدرسة الطبيعة؟"

سید هاشم میری حکیم‌آباد | لاله رفعت متولی | یاسمین سادات میری حکیم‌آباد

Go to content
Abstract

"تسعى هذه المقالة من خلال نظرة عميقة إلى الآية 31 من سورة المائدة إلى بناء جسر بين التعاليم القرآنية واكتشافات العلوم الإدراكية الحديثة. فبينما تحدث القرآن منذ قرون عن قدرات الغراب المذهلة، يؤكد العلم اليوم بالأدلة التجريبية الذكاء الفذ لهذا الطير في حل المشكلات والتخطيط للمستقبل بل وإدارة العلاقات الاجتماعية. ليس هذا البحث دليلاً على التقاء الدين والعلم فحسب، بل إنه نذير للإنسان بأن يتواضع أمام عظمة تصميم الطبيعة. هل يمكننا أن نصنع من هذا التعايش الإلهي-العلمي نموذجاً لمواجهة تحديات عصر التكنولوجيا المعقدة؟"

الملخص

تشير الآيات القرآنية المتعلقة بالطبيعة إلى مجموعة واسعة من الموضوعات العلمية. ومن بين هذه الآيات، تبرز الآية 31 من سورة المائدة كالآية الوحيدة التي تذكر صراحة الاستلهام من الطبيعة لحل المشكلات البشرية. تصف هذه الآية مشهد غراب يحفر في الأرض، وهو ما شاهده قابيل فقاده إلى اكتشاف حل لمشكلة كانت قد أوقعته في حيرة شديدة. يتيح لنا التدبر في هذه الآية استكشاف عدة مجالات بحثية: 1) السلوك الهادف للغراب الذي يجذب انتباه الإنسان إلى القدرات المعرفية والذاكرة لدى هذا الكائن في حل مشكلات تبدو مستعصية؛ 2) إمكانية إجراء مقارنة نسبية بين الخصائص المعرفية للغراب والإنسان؛ 3) الاستفادة من ذاكرة الغراب وسلوكه وخوارزميات اتخاذ القرار لديه لوضع نموذج معرفي وأخلاقي لمواجهة المشكلات الجديدة والمعقدة. وأخيراً، تقترح الدراسة آفاقاً بحثية ظاهرة وخفية من خلال تحليل العلاقة بين الخصائص المعرفية للغراب وأنواع الذاكرة.

الكلمات المفتاحية: الاستلهام الحيوي، الذاكرة طويلة المدى، الذاكرة العاملة

1. المقدمة

على الرغم من أن مفهوم الاستلهام من الطبيعة (الاستلهام الحيوي) قد برز كأحد الموضوعات المهمة في العقد الأخير في مجال التكنولوجيا والأبحاث العلمية المختلفة، إلا أنه كان أحد الحلول الأساسية للمشكلات منذ بدء الخليقة. يبدو أن أول إشارة تاريخية للاستلهام الحيوي في القرآن الكريم تظهر في قصة قابيل وهابيل في الآية 31 من سورة المائدة. تشير عبارة “فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا” إلى أن الله تعالى قد أرسل غراباً ليعلم قابيل كيفية دفن جثة أخيه. أول ما يتبادر إلى الذهن من هذه القصة هو أن فكرة الاستلهام البشري من الطبيعة لحل المشكلات قد تمت بالإرشاد الإلهي المباشر.

في هذه الآية، تشير عبارة “يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ” إلى عملية إخفاء الفريسة (أو أي شيء ذي قيمة) أو استخراجها. بالإضافة إلى تعليم الإنسان طريقة الدفن، تشير هذه العبارة إلى البحث الهادف للغراب في أرض ملساء. قد يبدو هذا السلوك غريزياً للوهلة الأولى، لكن الدراسات العلمية الحديثة تكشف عن مضامين معرفية وسلوكية عميقة تبرز مكانة الغراب مقارنة بالإنسان.

تشير عملية الإخفاء والبحث عن الأشياء المخبأة في الآية إلى قدرات معرفية وذاكرة معقدة لدى الغراب. عندما تعلم قابيل هذا السلوك بإرشاد رباني، استخدم عبارة “يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ” التي تعكس شعوره بالعجز أمام هذا المخلوق الصغير. هذا الشعور الذي قد يبدو مبالغاً فيه للوهلة الأولى، يكتسب دلالة عميقة في ضوء البيانات العلمية الحديثة. بينما ثبت تفوق الإنسان المعرفي على الكائنات الأخرى، إلا أن بعض الحيوانات قد تتفوق عليه في مواجهة مشكلات معقدة بفضل ملايين السنين من الخبرة التطورية. لا يتمتع الغراب بقدرات معرفية متقدمة فحسب، بل إن سلوكه مصمم خصيصاً لحل مشكلات عملية مثل الإخفاء واسترجاع المعلومات، مما جعل قابيل يواجه نوعاً من “التفوق المعرفي” في هذا المجال الخاص. هذه المقارنة البسيطة تحمل مضامين نفسية وعلمية عميقة، قد تشير إلى إمكانية استلهام الإنسان من الطبيعة عند مواجهة تحدياته.

في ضوء النتائج العلمية، تكتسب الإشارات في الآية معاني جديدة: أولاً، يجذب سلوك الغراب الهادف الانتباه إلى قدراته المعرفية والذاكرة في حل مشكلات بدت مستعصية. ثانياً، يعكس شعور الإنسان بالعجز أمام المشكلات الجديدة مقارنة نسبية بين القدرات المعرفية للغراب والإنسان. ثالثاً، يمكن أن يكون الاستلهام من ذاكرة وسلوك الغراب نموذجاً معرفياً وأخلاقياً لمواجهة التحديات الجديدة والمعقدة. لفهم أعمق للمفاهيم القرآنية، من الضروري مراجعة الدراسات المعتبرة حول الخصائص المعرفية والذاكرة لدى عائلة الغرابيات.

2. الأدبيات البحثية

تشكل الغرابيات (Corvidae) فصيلة من الطيور المغردة تشمل الغربان (Crows)، الغداف (Rooks)، الغراب (Ravens)، الزاغ (Jackdaw)، غراب الجبال (Chough)، العقعق (Magpie)، القيق (Jay)، كاسر الجوز (Nutcracker)، وطيور أخرى [1]. تظهر الدراسات أن الغرابيات ليست فقط أكثر ذكاءً من أنواع الطيور الأخرى (باستثناء بعض الببغاوات)، بل إن بعض الباحثين يقارنون أداءها المعرفي بالقرود [2] وطفل بشري في السابعة من عمره [3، 4].

من ناحية أخرى، يرى علماء الأعصاب أن القدرات المعرفية المعقدة تتطلب خاصيتين عصبيتين رئيسيتين: 1) حجم الدماغ؛ 2) وجود القشرة المخية (Cerebral Cortex) [5]. بالمقارنة مع الثدييات الكبيرة، تمتلك الطيور والغرابيات أدمغة صغيرة [6]، لكن يجب الأخذ بعين الاعتبار نسبة حجم الدماغ إلى حجم الجسم. أدمغة الغرابيات أكبر بكثير من المتوقع نسبة لحجم أجسامها [7]، حيث تتساوى هذه النسبة مع الشمبانزي [2]. على الرغم من عدم امتلاك الغرابيات لقشرة مخية، إلا أن بنيتها العصبية تعتمد على وجود النيدوباليوم الكظري (NCL) وكثافة عالية من الخلايا العصبية [8]. يشبه تنظيم النيدوباليوم الكظري (NCL) في الغرابيات القشرة المخية للثدييات [9]، ويؤدي وظيفة مماثلة للقشرة الأمامية الجبهية في إدارة الذاكرة العاملة واتخاذ القرار [10]. كما تحتوي أدمغتها على خلايا عصبية معالجة للمعلومات أكثر من قشرة الثدييات [11]. تظهر دراسات أن نسبة الخلايا العصبية في قشرة الثدييات تبلغ 19%، بينما تصل إلى 78% في الغرابيات [12-14].

ترتبط الخصائص المعرفية والسلوكيات المعقدة في الغرابيات بحجم الدماغ وعدد الخلايا العصبية [15، 16]. أجريت العديد من الدراسات الرائدة في هذا المجال عالمياً، حيث اكتشف الباحثون أن هذه المخلوقات الذكية قادرة على حل ألغاز معقدة واستخدام الأدوات في بعض الأحيان [17، 18]. تفهم هذه الطيور مفهوم القياس ويمكنها مطابقة العناصر المتشابهة (في اللون أو الشكل أو العدد). تستطيع الغرابيات العد حتى الرقم 30 وتذكر هذه الأرقام [19]. تظهر الدراسات أن الغربان تنطق الأعداد بصوت عالٍ [20]، مما يشير إلى أن الخلايا العصبية الحسية الحركية لديها تحول الأعداد المدركة إلى أرقام محددة [21، 22]، وقد تمتلك نظاماً لغوياً مشابهاً لنظامنا [23]. أثبت الباحثون أن الغربان تتذكر سلسلة من السلوكيات بعد يومين وحتى بعد شهر [24]. لا تستطيع هذه الطيور التعرف على وجوهها في المرآة فحسب [25]، بل تدرك أيضاً حجم أجسامها [26]. بالإضافة إلى ذلك، فإن قدرتها على إدارة العلاقات الاجتماعية والتخطيط للمستقبل مدهشة. يمكن لهذه الطيور التعرف على وجوه وأصوات البشر المختلفين وتذكرهم [27]. إذا واجهت الغرابيات موقفاً مزعجاً مع إنسان أو مخلوق آخر، فإنها تتذكره وتنتقم لاحقاً [28]. هذه القدرة متطورة لدرجة أن الباحثين يخفون وجوههم أثناء التجارب لتجنب اعتبارهم أعداءً. تمتلك هذه المخلوقات قدرة معرفية على التخطيط لكل ما لديها [29]. إذا كان لديها طعام، يمكنها أن تقرر تناوله أو تخزينه. إذا احتاجت إلى الطعام، يمكنها الاختيار بين سرقته من الآخرين أو استهلاك الطعام المخبأ سابقاً. بناءً على هذه النتائج، اعتبر الباحثون الذاكرة سمة معرفية أساسية لدى هذه الطيور.

تعتبر الذاكرة أحد المكونات الأساسية للمعرفة وأساس التعلم، حيث تمكن الكائنات الحية من تخزين المعلومات واسترجاعها ومعالجتها [30]. أكدت العديد من الدراسات الحديثة على قوة ذاكرة الغراب، حيث تظهر هذه الطيور قدرة على تذكر الأحداث لشهور أو حتى سنوات، واستخدام خبراتها في اتخاذ القرارات الحالية والمستقبلية [31]. انتشرت دراسة بعنوان “ذاكرة الغربان للمستقبل” على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي. أظهرت مجموعة أخرى من الباحثين أن الغربان تتوقع طبيعة ووقت ومكان الأحداث المستقبلية بناءً على خبراتها السابقة، وتخطط سلوكها وفقاً لها [32]. وهي قدرة لم تكن متوقعة سوى لدى البشر.

نظراً لأن عائلة الغرابيات معروفة بطول عمرها (مثلاً، يعيش بعض الغربان البرية من 25 إلى 30 سنة [33]، وسجلت حالة لغربان عاش 59 سنة [34])، فإن هناك قضيتين رئيسيتين في هذا المجال: أولاً، هل أسلوب حياة الغرابيات يمكنها من اتخاذ قرارات مناسبة تحميها من المخاطر لتعيش سنوات طويلة؟ ثانياً، هل يمكن أن تؤثر دراسة الخوارزميات المعرفية مثل الذاكرة واتخاذ القرار على تصميم خوارزميات التنبؤ بالمستقبل؟ تحقيقاً لهذه الغاية، تهدف هذه الدراسة كمرحلة أولى من مقترح بحثي كبير إلى رصد الدراسات المتعلقة بالخصائص المعرفية لعائلة الغرابيات والذاكرة كسمة أساسية لها. كما تم إعداد مقترحات بحثية للعمل على هذه الموضوعات كأساس للأبحاث المستقبلية.

3. منهجية البحث

٣١. المنهجية في الجانب الديني والقرآني:

اعتمدت هذه الدراسة على الآية ٣١ من سورة المائدة مع الرجوع إلى مجموعة من التفاسير المعتمدة منها: تفسير الميزان، وتفسير نمونه، والأمثل، والتبيان، ومجمع البيان، وجوامع الجامع، وبيان السعادة، وجامع البيان للطبري، والدر المنثور، والتفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، والكشاف، والكشف والبيان للثعلبي، وروح البيان، والتحرير والتنوير لابن عاشور، ومنهج الصادقين، وتفسير الجلالين، وتفسير قرآن مهر، وتفسير القمي، وتفسير نور الثقلين، وتفسير الصافي، وتفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب، وغيرها.

تم استخلاص ثلاث نقاط رئيسية من الآية وهي:

١. “فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا”

٢. “يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ”

٣. “يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ”

وتمحورت هذه النقاط حول: الاستلهام الحيوي، الذاكرة، الخصائص المعرفية للغراب وإمكانية مقارنتها بالإنسان. وقد خضعت هذه الجوانب للبحث والتحليل الدقيق في الدراسة.

٣٢. المنهجية في الجانب العلمي:

تم اعتماد النقاط الثلاث المستخلصة من الآية الكريمة كأسس للبحث العلمي، حيث أجريت عملية بحث شاملة في المجلات العلمية المرموقة مثل Nature وScience بالإضافة إلى مجلات متخصصة في هذا المجال ذات معامل تأثير (Impact Factor) يفوق ٥، والتي تنشر أبحاثاً علمية رفيعة المستوى.

استخدمت في عملية البحث الكلمات المفتاحية التالية:

  • Corvidae
  • Raven
  • Crow
  • Cognition
  • Brain
  • Memory
  • Intelligence

تم تصنيف مخرجات البحث وفقاً للمفاهيم المستخلصة من الآية الكريمة، واختير ٧٨ مقالة علمية من بين النتائج بناءً على مدى ملاءمتها لموضوع البحث وأسئلته.

4. النتائج والمناقشة

تعد الغربان (Corvidae) من أكثر أنواع الطيور تعقيداً، حيث أظهرت قدرات معرفية مدهشة تشمل استخدام الأدوات، والتخطيط للمستقبل، وإدارة العلاقات الاجتماعية المعقدة، والاستدلال السببي. وتشير الدراسات إلى أن هذه السلوكيات المتقدمة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأنظمة الذاكرة لديها. يتناول هذا القسم تحليل الذاكرة الحسية، والذاكرة قصيرة المدى، والذاكرة طويلة المدى لدى الغربان، بالإضافة إلى استكشاف العلاقة بين أنواع الذاكرة المختلفة والخصائص المعرفية لهذه الطيور مثل استخدام الأدوات والتخطيط المستقبلي والتفاعلات الاجتماعية والاستدلال السببي، مع تحليل الأسس العصبية لهذه القدرات.

٤١. الخصائص المعرفية للغربان بناءً على أنواع الذاكرة

تلعب الذاكرة دوراً محورياً في السلوكيات المعقدة لدى الأنواع المتقدمة مثل الغربان. وفقاً لتصنيف أتكينسون وشيفرين في ستينيات القرن الماضي [٣٥] والذي يستند إليه العديد من المصادر، يمكن تصنيف الذاكرة المعرفية حسب مدة تخزين المعلومات إلى ثلاثة أنواع رئيسية:

١. الذاكرة الحسية (Sensory Memory): تخزين مؤقت للمعلومات الحسية للمعالجة الأولية
٢. الذاكرة قصيرة المدى (Short-term Memory): وتشمل الذاكرة العاملة المستخدمة في المعالجة والاستخدام الفوري للمعلومات

٣. الذاكرة طويلة المدى (Long-term Memory): وتشمل الذاكرة الصريحة (الحدثية والدلالية) والذاكرة الضمنية

تستخدم الغربان هذه الأنواع الثلاثة من الذاكرة لأداء سلوكيات معقدة مثل تصنيع الأدوات واستخدامها، والتخطيط للمستقبل، وإدارة التفاعلات الاجتماعية، والاستدلال السببي. تسلط هذه النتائج الضوء على دور الذاكرة كأساس للمعرفة المتقدمة، وتفتح آفاقاً جديدة للدراسات المقارنة.

٤١١. الذاكرة الحسية

تشير الذاكرة الحسية إلى معالجة وتخزين المعلومات البصرية والسمعية الحسية لفترة قصيرة جداً (بالميلي ثانية) [٣٦]. تعمل الذاكرة الحسية كمرحلة أولية في نظام المعالجة المعرفية، حيث تخزن المعلومات الواردة من المنبهات البيئية لفترة وجيزة جداً لتمكين المعالجة الأولية [٣٧]. تلعب هذه الذاكرة دوراً حاسماً في السلوكيات المعقدة مثل التعرف البصري السريع، والتفاعلات الاجتماعية، وبالتالي التنبؤ واتخاذ القرارات الفورية لتجنب المخاطر المحتملة [٣٨].

تمكن الغربان من تخزين المعلومات البصرية للتعرف السريع على الأشياء والبيئة [٣٩]. كما أنها قادرة على تحديد الأنماط السلوكية والاستجابة للتهديدات المحتملة باستخدام البيانات الاجتماعية المخزنة في الذاكرة الحسية. تستخدم الغربان ذاكرتها الحسية للتعرف الفوري على أصوات الطيور الأخرى وتحديد الأعداء الطبيعيين بسرعة [١٦]. أظهرت الدراسات المقارنة أن الذاكرة الحسية لدى الغربان لا تقل عن نظيرتها لدى الثدييات فحسب، بل قد تتفوق عليها في بعض المهارات.

٤١٢. الذاكرة قصيرة المدى والذاكرة العاملة

تقوم الذاكرة قصيرة المدى بتخزين المعلومات لعدة ثوانٍ إلى دقائق، بينما توفر الذاكرة العاملة كجزء منها إمكانية المعالجة النشطة للمعلومات [٤٠]. ترتبط الذاكرة العاملة والذاكرة قصيرة المدى ببعضهما البعض، لكنهما تؤديان وظائف مختلفة. تقوم الذاكرة قصيرة المدى بتخزين المعلومات مؤقتاً، عادةً لمدة ١٥ إلى ٣٠ ثانية، وتركز بشكل أساسي على التخزين المؤقت للمعلومات [٤٠]؛ بينما تمثل الذاكرة العاملة شكلاً أكثر تطوراً من الذاكرة قصيرة المدى، حيث توفر بالإضافة إلى تخزين المعلومات، إمكانية معالجتها والتعامل معها [٤١].

يمكن اعتبار الذاكرة العاملة نوعاً من الذاكرة المرنة والنشطة التي تتفاعل ليس فقط مع المعلومات الموجودة في الذاكرة قصيرة المدى، بل أيضاً مع المعلومات طويلة المدى. يمكن للذاكرة العاملة دمج المفاهيم المكتسبة سابقاً مع المعلومات الجديدة المتولدة في اللحظة، وبالتعاون مع الذاكرة قصيرة المدى، تلعب دوراً مهماً في أداء الأنشطة اليومية والتعلم وحل المشكلات [٤٢].

يعد الحماية والإدارة من السمات البارزة للذاكرة العاملة. لوحظت هذه الذاكرة لدى البشر والقرود والغربان [٤٣]، حيث تظهر أنماطاً متشابهة في النشاط العصبي في المنطقة المسؤولة عن معالجة المعلومات البصرية والذاكرة العاملة في كل من القرود والغربان [٤٤].

يعد اختبار المطابقة المتأخرة للعينة (Delayed Match-to-Sample: DMS) أداة مناسبة لتقييم قدرات الذاكرة لدى الحيوانات [٤٥]. نجحت عدة أنواع من الطيور في هذا الاختبار بسبب قدرتها على تذكر المعلومات البصرية على فترات زمنية قصيرة [٤٦]. من بينها، تمكنت بعض الطيور مثل الغربان من حماية المعلومات البصرية المخزنة من التلاعب، وإدارة الذاكرة العاملة باستخدام الخلايا العصبية النشطة في النيدوباليوم الكظري (NCL) [٤٧، ٤٨].

في تجربة أخرى، أظهرت الغربان قدرتها على تصنيف المعلومات الإدراكية السمعية (حسب التردد أو الأصوات المتكررة والجديدة) والاحتفاظ بها بنشاط في ذاكرتها العاملة [٤٩]. يعد استخدام الغربان لهذه الذاكرة ضرورياً لتخزين المعلومات البيئية والمكانية [٥٠]، والعد ومقارنة الكميات (القدرة على المعالجة الكمية للأرقام) في حل المشكلات الفورية [٥١]، وإدارة مراحل تصنيع الأدوات [٥٢]، والأهم من ذلك “التحكم المعرفي” في السلوكيات الهادفة [٥٣].

٤١٣. الذاكرة طويلة المدى

تقوم الذاكرة طويلة المدى بتخزين المعلومات لفترات طويلة [٥٤]، وتنقسم بشكل عام إلى نوعين: صريحة وضمنية:

١. الذاكرة الصريحة (Explicit Memory): وتشمل الذاكرة العرضية (الحدثية) والذاكرة الدلالية [٥٥]، وتستخدم للتخزين الواعي للأحداث والمفاهيم والمعاني.
٢. الذاكرة الضمنية (Implicit Memory): وتستخدم للتخزين غير الواعي للمهارات والعادات [٥٦].

تشير الذاكرة الصريحة إلى الذاكرة التي يمكن استرجاعها بوعي، بينما تفتقر الذاكرة الضمنية إلى هذه الخاصية [٥٧]. تم الإبلاغ عن أنشطة مثل الاسترداد الناجح للطعام بعد ساعات أو أيام أو أشهر في عائلة الغربان من قبل العديد من الباحثين، مما يدل على ذاكرتهم طويلة المدى القوية [٥٨، ٥٩].

٤١١٣. الذاكرة الصريحة: الذاكرة العرضية (الحدثية)

الذاكرة العرضية أو الذاكرة الحدثية هي نوع من الذاكرة يُستخدم لتخزين المعلومات الزمنية والجغرافية المكانية والمشاعر المرتبطة وسياقات أخرى للأحداث [٦١]. تمكن كلايتون وديكينسون (١٩٩٨) من إثبات أن الغربان تمتلك نظام ذاكرة عرضية، حيث تتذكر المواقع الدقيقة لأنواع مختلفة من الطعام التي خزنته، وتعتمد على قابلية التلف للعناصر والوقت المنقضي منذ التخزين لاسترجاع المعلومات المخزنة بشكل انتقائي [٥٩]. باستخدام ذاكرتهم العرضية، يمكن للغربان توقع سلوك المنافسين وحتى التخطيط للمستقبل [٦٢].

تتذكر الغربان التفاعلات الاجتماعية السابقة وتعدل سلوكها (التعاطف، التعاون، والخداع الاستراتيجي) وفقاً لذلك [٦٣، ٦٤]. يمكنها التمييز بين الأفراد العادلين وغير العادلين واختيار سلوك ودّي أو تنافسي تجاههم [٦٥]. بسبب وجود علاقات قيمة مع أفراد آخرين أو غربان أخرى، يمكنها استخدام ذاكرتها العرضية لتقديم الدعم [٦٦] أو التعاون [٦٧] أو التعاطف [٦٨]. تؤثر ذاكرتها العرضية بشكل كبير على دقتها في استكشاف واختيار الأشياء الجديدة والقيمة [٦٩]. تخزن الغربان الأدوات للمهام المستقبلية وتتنبأ بشكل ما باحتياجاتها المستقبلية [٧٠، ٧١]. يتم توفير معالجة المعلومات والتنبؤ بالاحتياجات والسلوكيات المستقبلية في الجهاز المعرفي لهذه الحيوانات ليس فقط من خلال المعلومات البصرية ولكن أيضاً من خلال التصورات السمعية [٧٢].

٤١٢٣. الذاكرة الصريحة: الذاكرة الدلالية

تشمل الذاكرة الدلالية المعرفة المخزنة للمفاهيم والمعاني والحقائق والأفكار والسمات التي يتم الحصول عليها من ظروف معينة ولكن لم تعد تُعرَّف بهذه الظروف الخاصة [٧٣]. بينما تركز الذاكرة العرضية على التجربة والذكريات الشخصية لحدث ما، فإن الذاكرة الدلالية تهتم بطبيعة ومعنى المستمد من تلك التجربة أو الذاكرة أو الكائن. يمكن أن تكون هذه الذاكرة فعالة في تعلم القواعد العامة، وفهم العلاقات السببية، وفهم النصوص وتفسير الكلمات والجمل بطريقة ذات معنى، وبشكل عام تعلم معلومات جديدة [٧٤].

لوحظت هذه القدرة أيضاً في الغربان، حيث اكتشف الباحثون أنها تستطيع تحديد وتصنيف الحالات المزاجية لأفراد آخرين من نفس النوع، وإدارة معلوماتها الدلالية باستخدام المؤشرات الدلالية (Semantic Pointers) [٧٥]. باستخدام هذه الميزة، فإنها تمتلك “وعياً حسياً” تجاه أفراد نفس النوع والأنواع الأخرى [٧٦]. باستخدام هذه الميزة، يمكنها تعلم المعلومات البصرية والحسية وحتى السمعية. يتم أيضاً تخزين معرفة تصنيع الأدوات في هذه الذاكرة [١٨، ٧٧]. تظهر الدراسات أن بعض الغربان لديها قدرة أفضل على تعلم الأصوات الصوتية [٧٨]. وبالتالي، يمكن للغربان استخدام فهم العلاقات السببية بين الظواهر والأرقام والأفراد والحالات لحل المشكلات الرياضية [٢٢]، واستخدام الأدوات للوصول إلى الطعام وحل الاختبارات المصممة [١٧، ٧٩]، والتكيف بشكل عام مع التغيرات البيئية.

٤١٣٣. الذاكرة الضمنية

الذاكرة الضمنية هي ذاكرة مكتسبة وتستخدم بغير وعي. يمكن أن تؤثر هذه الذاكرة على الأفكار والسلوكيات وتسمح للكائنات بأداء مهام معينة دون وعي باستخدام الخبرات السابقة [٨٠]. أظهرت العديد من الدراسات أن الغربان تستخدم ذاكرتها العرضية أكثر من ذاكرتها الضمنية في مواضيع مختلفة [٨١]. وذلك لأن مشكلة التسلسل الزمني في تذكر مواضيع مختلفة تعتبر من عيوب نظام الذاكرة هذا.

“يقدم القرآن الكريم في الآية 31 من سورة المائدة الغراب كأول معلم حيوي للإنسان، يعرض سلوكيات إدراكية متقدمة كنموذج لحل المشكلات. وتؤكد اكتشافات علم الأعصاب اليوم ذاكرة العمل والتخطيط المستقبلي والذكاء الاجتماعي للغربان كتأييد تجريبي لهذا الإلهام الإلهي.”

5. الخاتمة والتوجيهات البحثية المستقبلية

تُمثل الغربان (فصيلة الغرابيات) واحدة من أكثر أنواع الطيور ذكاءً، حيث فتحت قدراتها المعرفية الاستثنائية مثل استخدام الأدوات والتخطيط للمستقبل وإدارة العلاقات الاجتماعية المعقدة نافذة لفهم أعمق للإدراك غير البشري. ورغم أن هذه الدراسات تبدو ظاهرياً مركزة على تحليل الذاكرة والإدراك لدى هذه الطيور، إلا أن التحليل المتعمق يكشف أن هذه الأبحاث تتبع أهدافاً خفية أيضاً، تمتد من تطوير التقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي إلى تصميم أدوات التحكم الذهني وإعادة تعريف فلسفة الوعي، مما سيكون له تأثيرات واسعة النطاق على مستقبل العلم والمجتمعات البشرية. وعليه يمكن تصنيف مستقبل أبحاث الذاكرة والإدراك لدى الغربان إلى قسمين: آفاق ظاهرة وآفاق خفية.

٥١. الآفاق الظاهرة للبحث

٥١١. فهم بنية الذاكرة وآليات عملها

تسهم دراسة الذاكرة الحسية والعاملة وطويلة المدى لدى الغربان في اكتشاف الآليات العصبية والمعرفية المرتبطة بهذه العمليات. كما توسع هذه الدراسات فهمنا للقدرات المعرفية لهذه الطيور بما في ذلك التخطيط للمستقبل وحل المشكلات والتفاعلات الاجتماعية المعقدة. وتلقي نتائج هذه الأبحاث الضوء على المسارات التطورية المتشابهة بين الطيور والثدييات، كما تقدم أدلة على التطور المستقل للقدرات المعرفية.

٥١٢. تطوير التقنيات المعرفية

تشكل الغربان نموذجاً لتصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي نظراً لقدراتها في استخدام الأدوات واسترجاع المخزون الغذائي والتنبؤ بالمستقبل. حيث يسهم محاكاة الذاكرة العاملة لهذه الطيور في تصميم خوارزميات التعلم الآلي، كما تلهم سلوكياتها المعرفية المعقدة أنظمة الروبوتات والأنظمة المستقلة.

٥١٣. حماية النظم البيئية

تستخدم الغربان كمؤشرات لتقييم صحة النظم البيئية، حيث يمكن أن تعكس التغيرات في سلوكياتها الاجتماعية أو قدراتها المعرفية آثار التغير المناخي أو تدمير الموائل أو التلوث البيئي. وتلعب هذه الدراسات دوراً محورياً في تصميم السياسات الحمائية ومراقبة البيئة.

٥٢. الآفاق الخفية للبحث

٥٢١. إدارة والتحكم في العقل

تمهد الأبحاث حول ذاكرة وإدراك الغربان الطريق لتطوير تقنيات لإدارة وحتى التحكم في سلوك الكائنات الذكية. وإذا أمكن تعديل إدراك هذه الطيور عبر تدخلات بيئية أو عصبية، فقد تُطبق هذه الأساليب على أنواع أخرى بما فيها البشر، خاصة في مجالات مثل تدريب الحيوانات أو الحد من السلوك العدواني في الأنواع البرية أو تصميم أدوات المراقبة.

٥٢٢. تأسيس فلسفة جديدة حول الوعي

يمكن لدراسات السلوكيات المعقدة للغربان مثل حل المشكلات والتخطيط للمستقبل أن تغير تعريفنا للوعي. وإذا ثبت وجود الوعي لدى هذه الطيور، فسوف يمتد ذلك إلى الحدود الأخلاقية والفلسفية للتفاعل بين الإنسان والحيوان، وقد يؤدي إلى إعادة تعريف مكانة الأنواع غير البشرية في النظم الاجتماعية والقانونية.

٥٢٣. تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي للتنبؤ والتحكم

تمثل السلوكيات المعرفية للغربان مثل تحليل البيئة والتنبؤ بالمستقبل نموذجاً لتصميم خوارزميات اتخاذ القرار المعقدة. كما يمكن لمحاكاة سلوكياتها الاجتماعية أن تساعد في تصميم أنظمة قادرة على إدارة أو حتى التنبؤ بالسلوك الجمعي البشري، مع تطبيقات محتملة في مجالات مثل المراقبة الاجتماعية أو الأمن السيبراني أو إدارة الأزمات.

٥٢٤. التحكم في المجتمعات البشرية والتفاعل مع الأنواع الأخرى

يمكن أن تؤدي دراسات الغربان إلى فهم أعمق لآليات التفاعلات الاجتماعية واتخاذ القرارات الجماعية، وقد تستخدم هذه النتائج كنموذج لتحليل وحتى توجيه السلوك الاجتماعي في المجتمعات البشرية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن استخدام هذه المعرفة لوضع سياسات لإدارة العلاقات بين البشر والحيوانات الذكية في المستقبل.

٥٣. التحديات والتداعيات

رغم تركيز أبحاث الذاكرة والإدراك لدى الغربان ظاهرياً على الأهداف العلمية والمعرفية، إلا أن لها تداعيات تتجاوز نطاق العلم لتؤثر مباشرة على الفلسفة والأخلاق والسلطة. ومن أهم هذه التداعيات إمكانية تحول هذه المعرفة إلى أداة للهيمنة إذا اقتصرت على عدد محدود من الدول. كما تطرح نتائج هذه الأبحاث أسئلة أخلاقية جوهرية حول حقوق الكائنات غير البشرية إذا ثبت امتلاكها للوعي، وكيفية التفاعل مع الأنواع التي تظهر سلوكيات واعية أو قدرات معرفية متقدمة.

من الناحية السياسية، يمكن للدول التي تمتلك هذه المعرفة أن تستخدمها لتعزيز مصالحها الوطنية ونفوذها، بينما قد تصبح الدول التي تفتقر إليها مستعمرات علمية وتقنية للدول المتقدمة. كما أن إساءة استخدام المعرفة المعرفية لتعديل الأفكار والسلوكيات قد تشكل تهديداً للحريات الفردية واستقلال المجتمعات.

٥٤. الرؤية القرآنية للبحث العلمي

لا ينبغي لبلدنا أن يغفل عن هذا المسار للتقدم العلمي. كما ورد في آيات القرآن الكريم، في قصة آدم وقابيل، إشارة إلى سلوك الغراب الذي لا يعلم قابيل طريقة الدفن فحسب، بل يبرز تفوق المعرفة والتعلم. هذه الرؤية القرآنية تمثل مساراً ملهمًا للأبحاث التي تركز على فهم السلوكيات الطبيعية والاستفادة منها في الحياة البشرية.

يمكن لبلدنا، بالاعتماد على التعاليم الدينية والقيم الأخلاقية، تعزيز أبحاثه في هذا المجال واستخدام هذه المعرفة لحل المشكلات البيئية وتطوير التكنولوجيا وتعزيز الفهم البشري. بالجمع بين المنظور القرآني والعلمي، لن نحقق مكانة رفيعة في المجال التكنولوجي فحسب، بل سنقدم أيضاً نموذجاً أخلاقياً ومحلياً لاستخدام هذه المعرفة. وما من طريق أفضل مما أرانا القرآن لفهم أعمق للطبيعة ومكانة الإنسان في الكون.

References:

1.         Clayton, N. and N. Emery, Corvid cognition. Current Biology, 2005. 15(3): p. R80-R81.

2.         Emery, N.J. and N.S. Clayton, The mentality of crows: convergent evolution of intelligence in corvids and apes. science, 2004. 306(5703): p. 1903-1907.

3.         Clayton, N.S., EPS Mid-Career Award 2013: ways of thinking: from crows to children and back again. Quarterly Journal of Experimental Psychology, 2015. 68(2): p. 209-241.

4.         Rincon, P., Science/nature| crows and jays top bird IQ scale. BBC News, 2005. 22.

5.         Van Der Vaart, E., R. Verbrugge, and C.K. Hemelrijk, Corvid re-caching without ‘theory of mind’: A model. PloS one, 2012. 7(3): p. e32904.

6.         Ditz, H.M., J.K. Kupferman, and A. Nieder, Neurons in the hippocampus of crows lack responses to non-spatial abstract categories. Frontiers in Systems Neuroscience, 2018. 12: p. 33.

7.         Jerison, H., Evolution of the brain and intelligence. 2012: Elsevier.

8.         Güntürkün, O., R. Pusch, and J. Rose, Why birds are smart. Trends in Cognitive Sciences, 2024. 28(3): p. 197-209.

9.         Stacho, M., et al., A cortex-like canonical circuit in the avian forebrain. Science, 2020. 369(6511): p. eabc5534.

10.       Güntürkün, O. and T. Bugnyar, Cognition without Cortex. Trends in Cognitive Sciences, 2016. 20(4): p. 291-303.

11.       Herculano-Houzel, S., Birds do have a brain cortex—and think. Science, 2020. 369(6511): p. 1567-1568.

12.       Olkowicz, S., et al., Birds have primate-like numbers of neurons in the forebrain. Proceedings of the National Academy of Sciences, 2016. 113(26): p. 7255-7260.

13.       Handley, W.D. and T.H. Worthy, Endocranial anatomy of the giant extinct Australian mihirung birds (Aves, Dromornithidae). Diversity, 2021. 13(3): p. 124.

14.       Kverková, K., et al., The evolution of brain neuron numbers in amniotes. Proceedings of the National Academy of Sciences, 2022. 119(11): p. e2121624119.

15.       Barron, A.B. and F. Mourmourakis, The Relationship between Cognition and Brain Size or Neuron Number. Brain Behavior and Evolution, 2023. 99(2): p. 109-122.

16.       Moll, Felix W. and A. Nieder, Cross-Modal Associative Mnemonic Signals in Crow Endbrain Neurons. Current Biology, 2015. 25(16): p. 2196-2201.

17.       Pendergraft, L.T., et al., American crows that excel at tool use activate neural circuits distinct from less talented individuals. Nature Communications, 2023. 14(1): p. 6539.

18.       Bayern, A.M.P.v., et al., Compound tool construction by New Caledonian crows. Scientific Reports, 2018. 8(1): p. 15676.

19.       Ditz, H.M. and A. Nieder, Format-dependent and format-independent representation of sequential and simultaneous numerosity in the crow endbrain. Nature Communications, 2020. 11(1): p. 686.

20.       Liao, D.A., et al., Crows “count” the number of self-generated vocalizations. Science, 2024. 384(6698): p. 874-877.

21.       Sol, D., et al., Neuron numbers link innovativeness with both absolute and relative brain size in birds. Nature Ecology & Evolution, 2022. 6(9): p. 1381-1389.

22.       Kirschhock, M.E. and A. Nieder, Number selective sensorimotor neurons in the crow translate perceived numerosity into number of actions. Nature Communications, 2022. 13(1): p. 6913.

23.       Morell, V., These crows may count in a way similar to human toddlers, in Science News. 2024, Science News.

24.       Müller, J., et al., Ravens remember the nature of a single reciprocal interaction sequence over 2 days and even after a month. Animal Behaviour, 2017. 128: p. 69-78.

25.       Brecht, K.F. and A. Nieder, Parting self from others: Individual and self-recognition in birds. Neuroscience & Biobehavioral Reviews, 2020. 116: p. 99-108.

26.       Khvatov, I.A., et al., Hooded Crows (Corvus cornix) May Be Aware of Their Own Body Size. Frontiers in Psychology, 2021. 12: p. 769397.

27.       Taylor, A.H., et al., Complex cognition and behavioural innovation in New Caledonian crows. Proceedings of the Royal Society B: Biological Sciences, 2010. 277(1694): p. 2637-2643.

28.       Marzluff, J.M., et al., Lasting recognition of threatening people by wild American crows. Animal Behaviour, 2010. 79(3): p. 699-707.

29.       Boeckle M, K.U.a.C.N., Editorial: Memories for the future. Front. Psychol, 2024.

30.       Vicuna, M. and J.M. Vicuna, Memory as a Foundation for Learning. 2024.

31.       Boeckle, M. and N.S. Clayton, A raven’s memories are for the future. Science, 2017. 357(6347): p. 126-127.

32.       Kabadayi, C. and M. Osvath, Ravens parallel great apes in flexible planning for tool-use and bartering. Science, 2017. 357(6347): p. 202-204.

33.       Marzluff, J.M., The Raven, A Natural History in Britain and Ireland. Ornithological Applications, 1998. 100(1): p. 185.

34.       Dutt, Y., Coming Out as Dalit: A Memoir of Surviving India’s Caste System (Updated Edition). 2024: Beacon Press.

35.       Atkinson, R.C., Human memory: A proposed system and its control processes. The psychology of learning and motivation, 1968. 2.

36.       Carlson, N.R., Psychology: The science of behavior. (No Title), 1993.

37.       Winkler, I. and N. Cowan, From Sensory to Long-Term Memory. Experimental Psychology, 2005. 52(1): p. 3-20.

38.       Sabri, M., et al., Neural correlates of auditory sensory memory and automatic change detection. NeuroImage, 2004. 21(1): p. 69-74.

39.       Ditz, H.M. and A. Nieder, Sensory and Working Memory Representations of Small and Large Numerosities in the Crow Endbrain. The Journal of Neuroscience, 2016. 36(47): p. 12044-12052.

40.       Jonides, J., et al., The mind and brain of short-term memory. Annu. Rev. Psychol., 2008. 59(1): p. 193-224.

41.       Baddeley, A., Working memory, in Memory. 2020, Routledge. p. 71-111.

42.       Postman, L.E.O., Short-Term Memory and Incidental Learning11The preparation of this paper was facilitated by a grant from the National Science Foundation to the Institute of Human Learning, University of California, Berkeley, and by Contract Nonr 222(90) with the Office of Naval Research, in Categories of Human Learning, A.W. Melton, Editor. 1964, Academic Press. p. 145-201.

43.       Balakhonov, D. and J. Rose, Crows Rival Monkeys in Cognitive Capacity. Scientific Reports, 2017. 7(1): p. 8809.

44.       Hahn, L.A., et al., Working memory capacity of crows and monkeys arises from similar neuronal computations. eLife, 2021. 10: p. e72783.

45.       Lind, J., M. Enquist, and S. Ghirlanda, Animal memory: A review of delayed matching-to-sample data. Behavioural Processes, 2015. 117: p. 52-58.

46.       Rinnert, P. and A. Nieder, Neural Code of Motor Planning and Execution during Goal-Directed Movements in Crows. The Journal of Neuroscience, 2021. 41(18): p. 4060-4072.

47.       Fongaro, E. and J. Rose, Crows control working memory before and after stimulus encoding. Scientific Reports, 2020. 10(1): p. 3253.

48.       Wagener, L., et al., Crows protect visual working memory against interference. Journal of Experimental Biology, 2023. 226(5).

49.       Wagener, L. and A. Nieder, Categorical Auditory Working Memory in Crows. iScience, 2020. 23(11).

50.       Veit, L., K. Hartmann, and A. Nieder, Neuronal Correlates of Visual Working Memory in the Corvid Endbrain. The Journal of Neuroscience, 2014. 34(23): p. 7778-7786.

51.       Kirschhock, M.E., H.M. Ditz, and A. Nieder, Behavioral and Neuronal Representation of Numerosity Zero in the Crow. The Journal of Neuroscience, 2021. 41(22): p. 4889-4896.

52.       Bluff, L.A., Alex AS Weir, and Christian Rutz, Tool-related cognition in New Caledonian crows. 2007.

53.       Fongaro, E., Working memory in crows (Corvus corone). 2019.

54.       Cowan, N., What are the differences between long-term, short-term, and working memory? Progress in brain research, 2008. 169: p. 323-338.

55.       Ullman, M.T., Contributions of memory circuits to language: The declarative/procedural model. Cognition, 2004. 92(1-2): p. 231-270.

56.       Schacter, D.L., Implicit memory: History and current status. Journal of experimental psychology: learning, memory, and cognition, 1987. 13(3): p. 501.

57.       Squire, L.R., Declarative and Nondeclarative Memory: Multiple Brain Systems Supporting Learning and Memory. Journal of Cognitive Neuroscience, 1992. 4(3): p. 232-243.

58.       Balda, R.P. and A.C. Kamil, Long-term spatial memory in Clark’s nutcracker, Nucifraga columbiana. Animal Behaviour, 1992. 44(4): p. 761-769.

59.       Clayton, N.S. and A. Dickinson, Episodic-like memory during cache recovery by scrub jays. Nature, 1998. 395(6699): p. 272-274.

60.       Bogale, B.A., et al., Long-term memory of color stimuli in the jungle crow (Corvus macrorhynchos). Animal Cognition, 2012. 15: p. 285-291.

61.       Clayton, N.S., L.H. Salwiczek, and A. Dickinson, Episodic memory. Current Biology, 2007. 17(6): p. R189-R191.

62.       Clayton, N.S., T.J. Bussey, and A. Dickinson, Can animals recall the past and plan for the future? Nature Reviews Neuroscience, 2003. 4(8): p. 685-691.

63.       Tremblay, S., K.M. Sharika, and M.L. Platt, Social Decision-Making and the Brain: A Comparative Perspective. Trends in Cognitive Sciences, 2017. 21(4): p. 265-276.

64.       Boucherie, P.H., et al., What constitutes “social complexity” and “social intelligence” in birds? Lessons from ravens. Behavioral Ecology and Sociobiology, 2019. 73: p. 1-14.

65.       LANGIN, K. Ravens remember people who suckered them into an unfair deal. 2017.

66.       Fraser, O.N. and T. Bugnyar, The quality of social relationships in ravens. Animal Behaviour, 2010. 79(4): p. 927-933.

67.       Boeckle, M. and T. Bugnyar, Long-term memory for affiliates in ravens. Current Biology, 2012. 22(9): p. 801-806.

68.       Fraser, O.N. and T. Bugnyar, Do Ravens Show Consolation? Responses to Distressed Others. PLOS ONE, 2010. 5(5): p. e10605.

69.       Stöwe, M., et al., Novel object exploration in ravens (Corvus corax): Effects of social relationships. Behavioural Processes, 2006. 73(1): p. 68-75.

70.       Boeckle, M., et al., New Caledonian crows plan for specific future tool use. Proceedings of the Royal Society B: Biological Sciences, 2020. 287(1938): p. 20201490.

71.       Amodio, P., et al., Testing two competing hypotheses for Eurasian jays’ caching for the future. Scientific reports, 2021. 11(1): p. 835.

72.       Roehmholdt, C.E., Using Vocalizations to Determine the Capacity for Future Cognition in the Common Raven (Corvus Corax). 2019, Diss. Evergreen State College.

73.       McRae, K. and M. Jones, 14 Semantic Memory. Vol. 206. 2013: Oxford University Press Oxford.

74.       Radvansky, G.A. and A.K. Tamplin, Memory, in Encyclopedia of Human Behavior (Second Edition), V.S. Ramachandran, Editor. 2012, Academic Press: San Diego. p. 585-592.

75.       Keefner, A., Corvids infer the mental states of conspecifics. Biology & Philosophy, 2016. 31(2): p. 267-281.

76.       Nieder, A., L. Wagener, and P. Rinnert, A neural correlate of sensory consciousness in a corvid bird. Science, 2020. 369(6511): p. 1626-1629.

77.       Jelbert, S.A., et al., Mental template matching is a potential cultural transmission mechanism for New Caledonian crow tool manufacturing traditions. Scientific Reports, 2018. 8(1): p. 8956.

78.       Audet, J.-N., M. Couture, and E.D. Jarvis, Songbird species that display more-complex vocal learning are better problem-solvers and have larger brains. Science, 2023. 381(6663): p. 1170-1175.

79.       Coding, A., Tool Use by New Caledonian Crows Can Inform Cognitive Archaeology. 2024: The Oxford Handbook of Cognitive Archaeology.

80.       Schacter, D.L., Implicit memory: History and current status. ournal of experimental psychology: learning, memory, and cognition, 1987: p. 501.

81.       Wright, A.A., D.M. Kelly, and J.S. Katz, Same/different concept learning by primates and birds. Learning & Behavior, 2021. 49(1): p. 76-84.