"هل تعلم أن تريليونات الكائنات الحية الدقيقة التي تسكن أمعاءك لا تتحكم فقط في صحتك الجسدية، بل أيضًا في أفكارك ومشاعرك وسلوكياتك؟ اكتشاف العلاقة بين الأطعمة الحلال والحرام ومحور الميكروبيوتا-الأمعاء-الدماغ يفتح نافذة جديدة لفهم التوصيات الدينية في ضوء العلم الحديث."
"في عصرٍ يُعتقد فيه أحيانًا أن العلم والدين في تعارض، يقدم هذا البحث جسرًا بين الحكمة الإلهية والاكتشافات الحديثة في الطب الحيوي. لقد أشار القرآن الكريم منذ قرون إلى تأثير الأطعمة على روح الإنسان ونفسيته، واليوم يكشف العلم عن الآلية الكامنة وراء هذا التأثير من خلال اكتشاف محور الميكروبيوتا-الأمعاء-الدماغ. هذه المقالة لا تعرض فقط حدود المعرفة البشرية في هذا المجال، بل تتحدى المجتمع العلمي بسؤال جوهري: هل يمكننا إعادة صياغة فلسفة تحريم الأطعمة المحرمة في إطار بيانات تجريبية باستخدام الأدوات الحديثة؟"
الملخص
لقد حث الله تعالى في مواضع عديدة من القرآن الكريم المسلمين على تناول الأطعمة الحلال ونهاهم عن تناول الحرام. كما ورد في أحاديث متعددة عن الأئمة المعصومين أن تناول لحم الخنزير يؤدي إلى فقدان الغيرة، وأن شرب الدم يزيد من العنف في السلوك. ولكن هل يمكن لأنواع مختلفة من الأطعمة أن تؤثر على الاضطرابات العصبية النمائية والإدراكية والسلوك البشري؟ يحتوي الجسم البشري على أعصاب تربط الدماغ بالمنطقة البطنية والجهاز الهضمي. هذا المسار الاتصالي بين الجهاز الهضمي والدماغ، المعروف باسم محور الأمعاء-الدماغ، كان يُعتقد لفترة طويلة أنه أحادي الاتجاه، حيث يرسل الدماغ الأوامر إلى الأمعاء فقط. لكن الأبحاث العلمية في السنوات الـ15 الماضية سلطت الضوء على أهمية هذا المحور في الحفاظ على الاستقرار الداخلي للجسم وثبات الظروف الفيزيائية والكيميائية للكائن الحي (الاستتباب). ثم برزت الميكروبيوتا (تريليونات الكائنات الحية الدقيقة التي تعيش داخلنا وعلينا) كأحد المنظمين الرئيسيين لوظيفة محور الأمعاء-الدماغ، مما أدى إلى فهم متعمق لأهمية محور الميكروبيوتا-الأمعاء-الدماغ. في هذه الدراسة الاستقصائية، نهدف إلى تقديم نظرة شاملة للقارئ عن المستوى الحالي للمعرفة البشرية في هذا المجال، ومدى فهم تأثير الميكروبيوتا على جسم وعقل الإنسان، وما هي الجوانب التي لا تزال مجهولة.
الكلمات المفتاحية: محور الميكروبيوتا-الأمعاء-الدماغ، ميكروبيوتا الأمعاء، الأطعمة الحلال والحرام.
1. المقدمة
تأثير الأطعمة والأنظمة الغذائية المختلفة على صحة الإنسان ليس موضوعًا جديدًا. ففي العقود الأخيرة، أجريت العديد من الدراسات حول العلاقة بين الأنظمة الغذائية وصحة الإنسان. فقد بحث عدد من العلماء تأثير أنظمة غذائية متنوعة، مثل الصيام، في علاج أنواع مختلفة من السرطان وأمراض الدماغ مثل باركنسون والزهايمر [1-4]. كما حث الله تعالى في القرآن الكريم المسلمين على تناول الحلال وحذرهم من الحرام. وقد ورد في أحاديث الأئمة أن تناول لحم الخنزير يقلل الغيرة، وأن شرب الدم يزيد من العنف السلوكي. ولكن هل يمكن لأنواع مختلفة من الأطعمة أن تؤثر على الاضطرابات العصبية النمائية والإدراكية والسلوك البشري؟ بينما لا يخفى على أحد تأثير الكحول والمخدرات على السلوك البشري ووظائف الدماغ، هل تؤثر الأطعمة الأخرى بوضوح على النشاط الدماغي؟
يحتوي الجسم البشري على أعصاب تربط الدماغ بالجهاز الهضمي، مما أدى إلى صياغة مصطلح “محور الأمعاء-الدماغ”. حتى السنوات الأخيرة، كان يُنظر إلى تأثير الدماغ على الجهاز الهضمي عبر هذه الأعصاب على أنه أحادي الاتجاه. وقد حظي محور الأمعاء-الدماغ باهتمام الباحثين لفترة طويلة لدوره في الحفاظ على الاستتباب. ومع ذلك، في السنوات الـ15 الماضية، برزت الميكروبيوتا (تريليونات الكائنات الحية الدقيقة التي تعيش داخلنا وعلينا) كأحد المنظمين الرئيسيين لوظيفة هذا المحور، مما وسع فهمنا لـ”محور الميكروبيوتا-الأمعاء-الدماغ” [5].
نحن نعيش في عالم ميكروبي. فالميكروبات عاشت على الأرض مئات الملايين من السنين قبل البشر، ولم يكن هناك وقت لم يصل فيه جسمنا إشارات منها [6]. الميكروبيوتا البشرية مصطلح يشير إلى تريليونات الكائنات الدقيقة التي تعيش فينا وعلينا. على مدى العقدين الماضيين، تسارعت أبحاث الميكروبيوم بوتيرة مذهلة، وكشفت عن الطرق العديدة التي تؤثر بها هذه الكائنات المجهرية على حياتنا اليومية. أصبح من الواضح الآن أن الميكروبيوتا عامل حاسم في صحة الإنسان ومرضه، كما أنها منظم رئيسي لفيزيولوجيا المضيف. تتفاعل الميكروبيوتا مع الدماغ عبر مسارات متعددة، لذا يزداد الاهتمام بمحور الميكروبيوتا-الأمعاء-الدماغ في دراسة الأسس البيولوجية والفسيولوجية للاضطرابات النفسية والعصبية النمائية المرتبطة بالعمر [7].
علاوة على ذلك، أظهرت دراسات الميكروبيوم الفردي أن تركيب الميكروبيوتا يختلف من شخص لآخر ويعتمد على العوامل الوراثية، ومراحل النمو المبكرة، والتعرض للعدوى [7]، وتناول المضادات الحيوية [8]، وغيرها، مما يجعلها بمثابة “بصمة” فريدة لكل فرد. بل إن الأمر تطور إلى حد طرح تساؤلات فلسفية حول طبيعة التعايش بين الإنسان والميكروبات: “إلى أي درجة نحن بشر؟” من الناحية العددية، تفوق الميكروبيوتا البشر؛ إذ تشير التقديرات إلى أن الخلايا الميكروبية في أجسامنا تفوق الخلايا البشرية بنسبة 1.3:1 [9]. وعلى المستوى الجيني، أكثر من 99% من الجينات في أجسامنا ميكروبية، وعددها يتجاوز 10 ملايين.
بينما تطورنا مع هذه الميكروبيوتا، فإنها تلعب دورًا محوريًا في توجيه وظائف أجهزة الجسم الأخرى. المثير للاهتمام هو أن جينومنا البشري ثابت وموروث، في حين أن الميكروبيوتا متنوعة وقابلة للتغير، مما يعني أنها تمتلك “جينومًا ديناميكيًا” يستجيب للعوامل البيئية ويمكن أن يكون هدفًا للتدخلات العلاجية. وهذا يطرح السؤال: إلى أي درجة يمكن للميكروبيوتا أن تتحكم فينا (جسديًا ونفسيًا وسلوكيًا)؟
في هذه الدراسة الاستقصائية، نهدف إلى تقديم رؤية شاملة للقارئ عن مدى تقدم العلم في فهم تأثير الميكروبيوتا على جسم وعقل الإنسان، وما هي المجالات التي لا تزال غامضة.
٢. خلفية البحث
١–٢. الخلفية البحثية في الجانب الديني والقرآني: في الآيات الكريمة من سورة المائدة (الآية ٣)، والبقرة (الآية ١٧٣)، والنحل (الآية ١١٥)، والأنعام (الآية ١٤٥)، تم التأكيد على حرمة أكل الميتة والدم ولحم الخنزير. كما وردت إشارات في روايات الأئمة المعصومين (عليهم السلام) إلى آثار هذه المحرمات. ففي رواية منقولة عن الإمام الصادق (عليه السلام) في كتاب “تحف العقول” (الصفحة ٥٤٠)، ذُكر أن أحد أسباب الشيخوخة المبكرة هو أكل لحم الخنزير. وفي رواية أخرى (تفسير جامع، المجلد ٢، الصفحة ١٥٦)، قال الإمام الصادق (عليه السلام): “إن الله حرم لحم الخنزير لأنه يورث البُغْضَةَ (فقدان الغيرة)، وحرم الخمر لأنها تذهب المروءة”. كما ورد عنه (عليه السلام) في حديث آخر حول فلسفة تحريم الدم: “وَأَمَّا الدَّمُ فَإِنَّهُ يُورِثُ آكِلَهُ الْمَاءَ الْأَصْفَرَ وَيُورِثُ الْكَلَبَ وَقَسَاوَةَ الْقَلْبِ وَقِلَّةَ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ حَتَّى لَا يُؤْمَنَ عَلَى حَمِيمِهِ وَلَا يُؤْمَنَ عَلَى مَنْ صَحِبَهُ” (علل الشرائع، المجلد ٢، الصفحة ٤٨٤).
٢–٢. الخلفية البحثية في الجانب العلمي: “جميع الأمراض تبدأ من الأمعاء” هذه العبارة المنسوبة إلى أبقراط، الطبيب اليوناني الذي يُعتبر أب الطب الحديث، تعود إلى حوالي ٤٠٠ عام قبل الميلاد [١٠]. وبعد قرون، في القرن التاسع عشر، ترك جراح أمريكي ملاحظات فريدة عن العلاقة بين الأمعاء والمشاعر والعواطف. فمن خلال دراسة أحد مرضاه المصابين بجرح مفتوح في الأمعاء، لاحظ أن غضب المريض يؤثر بشكل كبير على سرعة هضمه، مما يشير إلى وجود محور دماغي-معوي [١١]. ثم طور كلود برنارد، أحد عمالقة العلم، مفهوم “البيئة الداخلية” وأكد أن “استقرار البيئة الداخلية شرط الحياة الحرة والمستقلة” [١٢، ١٣]. وهذا أصبح لاحقًا أساس فهمنا لمبدأ الاستتباب (Homeostasis).
مع ظهور تقنيات تصوير الدماغ في ثمانينيات القرن العشرين، اتضح أن هذا المحور ثنائي الاتجاه. فقد أظهرت الدراسات أن تمدد الأمعاء يؤدي إلى تنشيط مسارات رئيسية في الدماغ، تلعب دورًا في اضطرابات مثل متلازمة القولون العصبي (IBS) [١٤-١٦].
وفي العقود الأخيرة، ظهر لاعب جديد كمُنظّم رئيسي لمحور الأمعاء-الدماغ: تريليونات الميكروبات في الأمعاء، أي الميكروبيوتا [١٧-٢٢]. ولإثبات ذلك، تقدمت أبحاث العلماء عبر خمس مسارات متقاربة: ١) أظهرت دراسات على حيوانات خالية من الجراثيم (Germ-free) أن الدماغ يتأثر بغياب الميكروبيوتا. ٢) لوحظت تغيرات سلوكية في حيوانات تمت زراعة أنواع بكتيرية محددة فيها، وأكدت الدراسات البشرية إمكانية تعميم هذه النتائج على الإنسان. ٣) كشفت دراسات على أفراد تعرضوا للعدوى عن تغيرات في إشارات الأمعاء-الدماغ، وهو ما تم تكراره في الحيوانات. ٤) أظهرت الدراسات قبل السريرية أن استخدام المضادات الحيوية في مراحل مبكرة من العمر أو في البالغين له آثار طويلة المدى على الدماغ والنخاع الشوكي والجهاز العصبي المعوي. ٥) تدعم هذه البيانات حالة سريرية معروفة، حيث يمكن علاج الاعتلال الدماغي الكبدي (Hepatic encephalopathy) عن طريق استهداف الميكروبيوتا بالمضادات الحيوية.
وعندما أدرك العلماء أن الميكروبيوتا تستطيع التواصل مع الدماغ، أُجريت أبحاث مكثفة لفهم آليات هذا التأثير المعقد [٢٣]. وهكذا وُلد مفهوم “محور الميكروبيوتا-الأمعاء-الدماغ“.
٣. منهجية البحث
١–٣. المنهجية في الجانب الديني والقرآني: أشار القرآن الكريم في ٤٦ آية، منها الآية ٨٨ من سورة المائدة، والآية ٨١ من سورة طه، والآية ٦٩ من سورة الأنفال، والآية ٩٣ من سورة آل عمران، إلى حلية بعض الأطعمة. كما حرّم في آيات أخرى (كالبقرة: ١٧٣، والمائدة: ٣) الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذُبح لغير الله. في هذه الدراسة، تم الرجوع إلى تفاسير معتمدة لهذه الآيات، وإلى الروايات الواردة عن النبي (ص) والأئمة (ع) في شرحها. ثم نُوقش الأثر المحتمل لهذه الأطعمة على الجسد والروح من منظور علمي، مع تقصّي مدى إدراك العلم الحديث لهذه التأثيرات.
٢–٣. المنهجية في الجانب العلمي: تم إجراء مراجعة شاملة لأبحاث منشورة في مجالات “علم الأعصاب المعدي المعوي“ و“محور الأمعاء-الدماغ“و“الميكروبيوم“. رُكز أولاً على دراسة Cryan وO’Mahony (2011)، ثم تم تحليل أبحاث أخرى ذات صلة منشورة في دوريات مرموقة مثل Nature وScience وNeurogastroenterology & Motility. تقدم هذه الدراسة استعراضًا شاملًا للمعرفة الحالية حول تأثير الميكروبيوتا على الدماغ والسلوك، مع التركيز على:
الآليات المؤثرة.
النماذج المستخدمة في البحث.
تصنيف المجالات البحثية المرتبطة بالميكروبيوتا المعوية.
٤. منهجية البحث والنتائج والمناقشة
لا يخفى على أحد أن ما نأكله يؤثر على أجسادنا. كما أن تأثير المواد الغذائية على الدماغ وبالتالي على السلوك البشري – الذي يخضع لإدارة الدماغ – ليس أمراً جديداً. لكن الجديد في هذا المجال، والذي حظي باهتمام كبير من الباحثين الرائدين خلال الخمسة عشر عاماً الماضية، هو ظهور لاعب جديد في هذا المضمار يُدعى “الميكروبيوتا“ [٢٤-٣٠].
في هذه الدراسة الاستقصائية، تم تحليل أكثر من ٣٠ دراسة، نصفها حظي بأكثر من ألف إشارة واستشهاد في الأبحاث اللاحقة. سنستعرض هنا ثلاث دراسات رائدة حددت الاتجاه العام للبحوث في هذا المجال [٥، ٣١، ٣٢]، ثم ننتقل إلى تصنيف شامل للدراسات التي تم تحليلها.
١–٤. محور الميكروبيوم-الأمعاء-الدماغ: من الأمعاء إلى السلوك
في عام ٢٠١١، نشر العالمان Cryan و O’Mahony دراسة بعنوان “محور الميكروبيوم-الأمعاء-الدماغ: من الأمعاء إلى السلوك“ في مجلة Neurogastroenterology & Motility [٥]. كان لهذه الدراسة تأثير كبير على الأبحاث اللاحقة، حيث تم الاستشهاد بها بشكل لافت (١٢٤٢ مرة حتى الآن). وأكد الباحثون أن التواصل ثنائي الاتجاه بين الجهاز الهضمي والدماغضروري للحفاظ على استقرار البيئة الداخلية للجسم (الهوميستاز)، وينظم عبر مسارات عصبية (الجهاز العصبي المركزي والمعوي)، وهرمونية، ومناعية.
وتوصلت الدراسة إلى أن الميكروبيوتا والدماغ يتواصلان عبر عدة مسارات، منها:
الجهاز المناعي
استقلاب التريبتوفان
العصب المبهم(Vagus nerve)
الجهاز العصبي المعوي (الذي يشمل نواتج أيض الميكروبات مثل الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، والأحماض الأمينية المتفرعة، والببتيدوجليكان).
كما تظهر الأدلة المتزايدة أن الطعام الذي نتناوله يؤثر بشكل عميق على ميكروبيوم الأمعاء، وبالتالي على اتصالات الأمعاء-الدماغ، مما أدى إلى صياغة مصطلح “محور الدماغ-الأمعاء-الميكروبيوتا“. وأي خلل في هذه الأنظمة قد يؤدي إلى تغيرات في الاستجابة للتوتر والسلوك العام [٣٣].
كما أن الارتباط الوثيق بين الأعراض النفسية المرتبطة بالتوتر واضطرابات الجهاز الهضمي (مثل متلازمة القولون العصبي IBS وأمراض الأمعاء الالتهابية IBD) يُعد دليلاً إضافياً على أهمية هذا المحور [٣٤، ٣٥].
ومع ذلك، لا يزال الآلية الدقيقة التي تحكم التواصل بين الأمعاء والدماغ غير واضحة، حيث ركزت معظم الدراسات المبكرة على الإشارات أحادية الاتجاه من الدماغ إلى الأمعاء [٣٦، ٣٧].
ولتحليل دور ميكروبيوتا الأمعاء في وظائف الدماغ، اقترح الباحثون ثلاث منهجيات رئيسية:
١) مقارنة سلوك الحيوانات الخالية من الجراثيم (Germ-free) مع الحيوانات العادية. ٢) تقييم تأثير البروبيوتيك (البكتيريا النافعة). ٣) دراسة اختلال التوازن الميكروبي (Dysbiosis) الناتج عن المضادات الحيوية [٣٨] أو العدوى الممرضة [٣٩-٤٢].
كل هذه المنهجيات تهدف إلى الإجابة على سؤال محوري: هل يمكن لميكروبيوتا الأمعاء أن تغير السلوك؟ ولا تزال هذه القضية من الموضوعات الساخنة في الأوساط العلمية، حيث تجري أبحاث مكثفة للإجابة عليها بدقة.
٢–٤. “أنت ما تأكله!”
نُشرت العديد من الدراسات تحت هذا العنوان الصادم، ومن أبرزها دراسة عام ٢٠١٩ من باحثين في جامعة تل أبيب (فلسطين المحتلة) في مجلة Nature [٣١]، والتي حظيت بأكبر عدد من الاستشهادات (أكثر من ١٤٠٠ مرة). ركزت هذه الدراسة على تأثير النظام الغذائي على الصحة، وميكروبيوتا الأمعاء، وبالتالي على السلوك البشري.
٣–٤. “النظام الغذائي يغير ميكروبيوم الأمعاء بسرعة وبشكل متكرر!”
الأمر يصبح أكثر إثارة للقلق عندما نكتشف أن دراسة سابقة نُشرت عام ٢٠١٤ في Nature [٣٢] (تم الاستشهاد بها أكثر من ١٠ آلاف مرة) أظهرت أن تغيير النظام الغذائي يمكن أن يغير ميكروبيوم الأمعاء بسرعة. في السابق، كان يُعتقد أن تأثير النظام الغذائي على تريليونات الكائنات الدقيقة في الأمعاء يحتاج إلى فترات طويلة. لكن هذه الدراسة أثبتت أن تغيير النظام الغذائي لمدة ٥ أيام فقط كافٍ لإحداث تغييرات كبيرة في الميكروبيوتا.
وأظهر الباحثون أن النظام الغذائي الغني باللحوم يزيد من نسبة الميكروبات المقاومة للأحماض الصفراوية، ويقلل من الميكروبات التي تهضم السكريات النباتية، مما قد يؤدي إلى زيادة خطر الإصابة بأمراض الأمعاء الالتهابية.
كما ركزت دراسات أخرى على تأثير استهلاك اللحوم على ميكروبيوتا الأمعاء، مثل دراسة عام ٢٠٢١ في Scientific Reports[٤٣] التي قارنت بين نظام غذائي غني بلحم الدجاج مقابل لحم الخنزير، ووجدت اختلافات كبيرة في تركيب الميكروبيوتا بين المجموعتين، مع زيادة خطر الاضطرابات المعوية لدى من تناولوا لحم الدجاج.
كل هذه النتائج تدفعنا إلى حث العلماء المسلمين على الدخول بقوة في هذا المجال البحثي.
٤–٤. تصنيف الأبحاث حتى اليوم
يمكن تلخيص نتائج هذه الدراسة الاستقصائية في التصنيف التالي:
١. آلية تأثير الميكروبيوتا على الدماغ
٢. تأثير تغيير الأطعمة على الميكروبيوتا:
تأثير تغيير النظام الغذائي.
دراسة تأثير البريبايوتكس (الألياف المغذية للبكتيريا النافعة) والأطعمة المخمرة.
تأثير البروبيوتيك (البكتيريا النافعة).
تقييم تأثير المضادات الحيوية.
دراسة تأثير العدوى الميكروبية.
٣. علم السلوك:
تغير السلوك الفردي والاجتماعي بسبب تغير ميكروبيوم الجهاز الهضمي.
٤. دور الميكروبيوتا في الأمراض:
الأمراض الجسدية.
أمراض الدماغ والاضطرابات النفسية [٤٤]، بما في ذلك مفهوم “النفسانيّات الحيوية(Psychobiotics)” كبديل للعقاقير النفسية [٤٥].
السرطان.
ميكروبيوم الإنسان السليم.
٥. الأبحاث الجينية على الميكروبيوم وتطور الجينوم الميكروبي.
٦. منظور التعايش: “نحن لسنا أفراداً، بل هولوبيونت(Holobiont)!” [٤٦].
“ميكروبيوتا الأمعاء، باعتبارها الجينوم الثاني للإنسان، تؤثر مباشرة على الصحة العصبية والإدراك والسلوك عبر محور الأمعاء-الدماغ. وتشير النتائج إلى أن الأنظمة الغذائية الحلال والحرام يمكن أن تغير تركيب الميكروبيوتا، مما يعيد تشكيل هذه المسارات التواصلية، الأمر الذي يتطلب أبحاثاً متعددة التخصصات.”
٥. الخاتمة والتوصيات البحثية المستقبلية
إن تأثير ميكروبيوتا الأمعاء على الدماغ مدهش لدرجة أنه فتح آفاقاً بحثية واسعة في العلوم التجريبية. تركّز هذه الأبحاث بمناهج متعددة على فهم الآليات المختلفة لتأثير الميكروبيوتا على الدماغ وبالتالي على السلوك العام للإنسان كمضيف لتريليونات الكائنات الدقيقة التي تسكن جسده [٥، ٤٧]. هناك العديد من الاستراتيجيات قيد الدراسة تستهدف ميكروبيوتا الأمعاء للتأثير على صحة الدماغ ووظائفه. ومع ذلك، لا تزال المعرفة محدودة جداً بشأن العوامل والآليات الأساسية لتأثير ميكروبيوتا الأمعاء على الوظائف الإدراكية والدماغية، كما أن كثيراً من الجوانب في هذا المجال تظل مجهولة [٥، ٤٧].
تأتي الأدلة الحالية بشكل رئيسي من الدراسات قبل السريرية، بينما هناك حاجة ماسة لإجراء أبحاث سريرية مضبوطة في هذا الصدد [٤٧-٥٣]. يتطلب سد الفجوات المعرفية الحالية وضع منهجية معيارية للدراسات البشرية، تشمل تركيزاً خاصاً على محور الميكروبيوتا-الأمعاء-الدماغ، وتحليلاً أوسع للعينات البيولوجية، وتحديد المؤشرات الحيوية ذات الصلة. ومن المجالات الأخرى التي تحتاج إلى مزيد من البحث، تطوير نماذج جديدة متقدمة للدراسات المخبرية والتجارب الحية لآليات التأثير، مع التركيز بشكل أكبر على تقنيات “omics” [٤٧].
وعليه، يمكن تصنيف المسار المستقبلي للبحوث في هذا المجال ضمن خمسة محاور رئيسية:
١. تحديد مسارات تأثير الميكروبيوتا على الدماغ وتكميم أهمية كل آلية ٢. تأثير الأنظمة الغذائية المختلفة على تغيرات الميكروبيوم البشري، بما في ذلك الأطعمة المحرمة. لقد أصبح هذا الموضوع بالغ الأهمية لدرجة أنه تم صياغة مصطلح “محور النظام الغذائي-الميكروبيوتا-الأمعاء-الدماغ” لوصفه [٥٤]. ٣. دراسة السلوكيات الناتجة عن تغيرات الميكروبيوم ٤. العلاقة بين الميكروبيوتا وأنواع الأمراض: من تحديد العوامل المؤثرة إلى سبل الوقاية وطرق العلاج ٥. دراسة تنوع الميكروبيوم البشري ونطاق الميكروبيوم الصحي للإيرانيين
في ضوء نتائج هذه الدراسة، نحث العلماء المسلمين على إجراء أبحاث خاصة في المجالات الثلاثة الأولى المتعلقة بتأثير الأطعمة الحلال والمحرمة على ميكروبيوتا الأمعاء، وبالتالي على الدماغ والسلوك البشري. كما نوصي بالتعاون مع المجموعات البحثية التالية:
• فريق باحثي جامعة كورك الأيرلندية تحت إشراف Dinan وCryan وO’Mahony • فريق باحثي جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو تحت إشراف Turnbaugh
إن هذه التوصيات البحثية تمثل خريطة طريق للتعمق في فهم هذا المحور الحيوي الذي يربط بين الغذاء والميكروبيوتا والدماغ، وهو ما يتوافق مع التوجيهات القرآنية والنبوية حول أهمية الغذاء الحلال وتأثيره على النفس والسلوك.
References:
1.Longo, V.D. and M.P. Mattson, Fasting: molecular mechanisms and clinical applications. Cell metabolism, 2014. 19(2): p. 181-192.
2.Zhou, Z.-L., et al., Neuroprotection of fasting mimicking diet on MPTP-induced Parkinson’s disease mice via gut microbiota and metabolites. Neurotherapeutics, 2019. 16(3): p. 741-760.
3.Mattson, M.P., V.D. Longo, and M. Harvie, Impact of intermittent fasting on health and disease processes. Ageing research reviews, 2017. 39: p. 46-58.
4.Gudden, J., A. Arias Vasquez, and M. Bloemendaal, The effects of intermittent fasting on brain and cognitive function. Nutrients, 2021. 13(9): p. 3166.
5.Cryan, J.F. and S.M. O’Mahony, The microbiome‐gut‐brain axis: from bowel to behavior. Neurogastroenterology & Motility, 2011. 23(3): p. 187-192.
6.Ursell, L.K., et al., Defining the human microbiome. Nutrition reviews, 2012. 70(suppl_1): p. S38-S44.
7.O’Mahony, S.M., et al., 25 Early-Life Dysbiosis Leads to Visceral Hypersensitivity in Adulthood. Gastroenterology, 2010. 5(138): p. S-4-S-5.
8.Maxwell, P., et al., Antibiotics increase functional abdominal symptoms. Official journal of the American College of Gastroenterology| ACG, 2002. 97(1): p. 104-108.
9.Sender, R., S. Fuchs, and R. Milo, Are we really vastly outnumbered? Revisiting the ratio of bacterial to host cells in humans. Cell, 2016. 164(3): p. 337-340.
10.Dinan, T.G. and J.F. Cryan, Mood by microbe: towards clinical translation. Genome medicine, 2016. 8: p. 1-3.
11.Beaumont, W. and W. Osler, Experiments and Observations on the Gastric Juice and the Physiology of Digestion. 1996: Courier Corporation.
12.Bernard, C., An introduction to the study of experimental medicine. Vol. 400. 1957: Courier Corporation.
13.Bernard, C., Lectures on the phenomena of life common to animals and plants. Translation by Hebbel E. Hoff, Roger Guillemin [and] Lucienne Guillemin. 1974.
14.Farmer, A.D. and Q. Aziz, Mechanisms and management of functional abdominal pain. Journal of the royal society of medicine, 2014. 107(9): p. 347-354.
15.Kennedy, P.J., et al., Irritable bowel syndrome: a microbiome-gut-brain axis disorder? World journal of gastroenterology: WJG, 2014. 20(39): p. 14105.
16.Mayer, E.A., The neurobiology of stress and gastrointestinal disease. Gut, 2000. 47(6): p. 861-869.
17.Craig, A.D., How do you feel—now? The anterior insula and human awareness. Nature reviews neuroscience, 2009. 10(1): p. 59-70.
18.Gareau, M.G., et al., Bacterial infection causes stress-induced memory dysfunction in mice. Gut, 2011. 60(3): p. 307-317.
19.Neufeld, K., et al., Reduced anxiety‐like behavior and central neurochemical change in germ‐free mice. Neurogastroenterology & Motility, 2011. 23(3): p. 255-e119.
20.Sudo, N., et al., Postnatal microbial colonization programs the hypothalamic–pituitary–adrenal system for stress response in mice. The Journal of physiology, 2004. 558(1): p. 263-275.
21.Heijtz, R.D., et al., Normal gut microbiota modulates brain development and behavior. Proceedings of the National Academy of Sciences, 2011. 108(7): p. 3047-3052.
22.Clarke, G., et al., The microbiome-gut-brain axis during early life regulates the hippocampal serotonergic system in a sex-dependent manner. Molecular psychiatry, 2013. 18(6): p. 666-673.
23.O’Mahony, S.M., et al., Serotonin, tryptophan metabolism and the brain-gut-microbiome axis. Behavioural brain research, 2015. 277: p. 32-48.
24.Savignac, H., et al., B ifidobacteria exert strain‐specific effects on stress‐related behavior and physiology in BALB/c mice. Neurogastroenterology & Motility, 2014. 26(11): p. 1615-1627.
25.Verdu, E.F., et al., The role of luminal factors in the recovery of gastric function and behavioral changes after chronic Helicobacter pylori infection. American Journal of Physiology-Gastrointestinal and Liver Physiology, 2008. 295(4): p. G664-G670.
26.Bercik, P., et al., The intestinal microbiota affect central levels of brain-derived neurotropic factor and behavior in mice. Gastroenterology, 2011. 141(2): p. 599-609. e3.
27.Bravo, J.A., et al., Ingestion of Lactobacillus strain regulates emotional behavior and central GABA receptor expression in a mouse via the vagus nerve. Proceedings of the National Academy of Sciences, 2011. 108(38): p. 16050-16055.
28.Desbonnet, L., et al., Gut microbiota depletion from early adolescence in mice: Implications for brain and behaviour. Brain, behavior, and immunity, 2015. 48: p. 165-173.
29.McKernan, D., et al., The probiotic Bifidobacterium infantis 35624 displays visceral antinociceptive effects in the rat. Neurogastroenterology & Motility, 2010. 22(9): p. 1029-e268.
30.Cryan, J.F. and T.G. Dinan, Mind-altering microorganisms: the impact of the gut microbiota on brain and behaviour. Nature reviews neuroscience, 2012. 13(10): p. 701-712.
31.Zmora, N., J. Suez, and E. Elinav, You are what you eat: diet, health and the gut microbiota. Nature reviews Gastroenterology & hepatology, 2019. 16(1): p. 35-56.
32.David, L.A., et al., Diet rapidly and reproducibly alters the human gut microbiome. Nature, 2014. 505(7484): p. 559-563.
33.Rhee, S.H., C. Pothoulakis, and E.A. Mayer, Principles and clinical implications of the brain–gut–enteric microbiota axis. Nature reviews Gastroenterology & hepatology, 2009. 6(5): p. 306-314.
34.Cámara, R.J., et al., The role of psychological stress in inflammatory bowel disease: quality assessment of methods of 18 prospective studies and suggestions for future research. Digestion, 2009. 80(2): p. 129-139.
35.Mawdsley, J.E. and D.S. Rampton, The role of psychological stress in inflammatory bowel disease. Neuroimmunomodulation, 2007. 13(5-6): p. 327-336.
36.O’Mahony, S.M., et al., Maternal separation as a model of brain–gut axis dysfunction. Psychopharmacology, 2011. 214: p. 71-88.
37.Bonaz, B. and J.-M. Sabaté, Brain-gut axis dysfunction. Gastroenterologie clinique et biologique, 2009. 33: p. S48-58.
38.Rogers, G., et al., From gut dysbiosis to altered brain function and mental illness: mechanisms and pathways. Molecular psychiatry, 2016. 21(6): p. 738-748.
39.Collins, S.M. and P. Bercik, The relationship between intestinal microbiota and the central nervous system in normal gastrointestinal function and disease. Gastroenterology, 2009. 136(6): p. 2003-2014.
40.Denou, E., P. Bercik, and S. Collins, Perturbation of the intestinal microbiota alters behavior in mice. Gastroenterology, 2010. 136(Suppl. 1): p. A‐776-A‐7.
41.Gareau, M.G., M.A. Silva, and M.H. Perdue, Pathophysiological mechanisms of stress-induced intestina damage. Current molecular medicine, 2008. 8(4): p. 274-281.
42.Goehler, L.E., M. Lyte, and R.P. Gaykema, Infection-induced viscerosensory signals from the gut enhance anxiety: implications for psychoneuroimmunology. Brain, behavior, and immunity, 2007. 21(6): p. 721-726.
43.Shi, J., et al., Chicken-eaters and pork-eaters have different gut microbiota and tryptophan metabolites. Scientific reports, 2021. 11(1): p. 11934.
44.Borre, Y.E., et al., Microbiota and neurodevelopmental windows: implications for brain disorders. Trends in molecular medicine, 2014. 20(9): p. 509-518.
45.Dinan, T.G., C. Stanton, and J.F. Cryan, Psychobiotics: a novel class of psychotropic. Biological psychiatry, 2013. 74(10): p. 720-726.
46.Gilbert, S.F., J. Sapp, and A.I. Tauber, A symbiotic view of life: we have never been individuals. The Quarterly review of biology, 2012. 87(4): p. 325-341.
47.Chakrabarti, A., et al., The microbiota–gut–brain axis: pathways to better brain health. Perspectives on what we know, what we need to investigate and how to put knowledge into practice. Cellular and Molecular Life Sciences, 2022. 79(2): p. 80.
48.Margolis, K.G., J.F. Cryan, and E.A. Mayer, The microbiota-gut-brain axis: from motility to mood. Gastroenterology, 2021. 160(5): p. 1486-1501.
49.de Wouters d’Oplinter, A., et al., Gut microbes participate in food preference alterations during obesity. Gut Microbes, 2021. 13(1): p. 1959242.
50.Cordaillat-Simmons, M., A. Rouanet, and B. Pot, Live biotherapeutic products: the importance of a defined regulatory framework. Experimental & molecular medicine, 2020. 52(9): p. 1397-1406.
51.Codagnone, M.G., et al., Programming bugs: microbiota and the developmental origins of brain health and disease. Biological psychiatry, 2019. 85(2): p. 150-163.
52.Gibson, G.R., et al., Expert consensus document: The International Scientific Association for Probiotics and Prebiotics (ISAPP) consensus statement on the definition and scope of prebiotics. Nature reviews Gastroenterology & hepatology, 2017. 14(8): p. 491-502.
53.Liu, X., et al., High-fiber diet mitigates maternal obesity-induced cognitive and social dysfunction in the offspring via gut-brain axis. Cell metabolism, 2021. 33(5): p. 923-938. e6.
54.Schneider, E., et al., Feeding gut microbes to nourish the brain: unravelling the diet–microbiota–gut–brain axis. Nature metabolism, 2024. 6(8): p. 1454-1478.