القرآن الكريم واﻟﺤﻮﻛﻤﺔ الإرادة: دور الإرادة في مواجهة التحديات الاجتماعية
"إن تغيير مصير مجتمع لا يتم بالأماني، بل بإرادة صلبة وعزيمة راسخة؛ كما يقول القرآن الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى یُغَیِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾."
في عصر تتحدى فيه التحديات الاجتماعية - من الفقر والفساد إلى أزمة الهوية والبيئة - العالم بأسره، فإن إعادة قراءة التعاليم القرآنية حول "حوكمة الإرادة" ليست ضرورية فحسب، بل هي منقذة. يبين هذا البحث من خلال التحليل العميق للآيات القرآنية وآراء المفكرين الإسلاميين أن تعزيز الإرادة الجماعية القائمة على مفاهيم مثل العزم والتوكل والوحدة هو السبيل الوحيد لتجاوز المآزق الراهنة. وما يميز هذا المقال هو تقديمه إطارًا عمليًا لتحويل التعاليم النظرية إلى إجراءات اجتماعية؛ خطوة نحو مجتمع تكون "الإرادة" فيه محورًا للحوكمة المثلى.
الملخص
تهدف هذه الدراسة إلى تقديم تحليل شامل لمفهوم الإرادة في القرآن الكريم وتطبيقاته في معالجة القضايا الاجتماعية المعاصرة. تسعى هذه الدراسة إلى توضيح دور الإرادة الفردية والجماعية في مواجهة التحديات الاجتماعية، واقتراح استراتيجيات لتوظيف هذا المفهوم في الحوكمة الفعالة. باستخدام المنهج الوصفي التحليلي والمدخل الكيفي، تم جمع البيانات اللازمة من مصادر قرآنية موثوقة وتفاسير وأعمال المفكرين الإسلاميين المعاصرين.
تكشف النتائج أن الإرادة تحتل مكانة محورية في القرآن الكريم وترتبط بمفاهيم مثل العزم والهمة والنية. تقدم هذه الدراسة استراتيجيات قرآنية لتعزيز الإرادة الفردية والجماعية في المجتمع، بما في ذلك التزكية الذاتية، والتأمل، والصبر، والعمل، والوحدة، والتعليم، والتوكل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كما يتم استكشاف تطبيق مبادئ الحوكمة القرآنية القائمة على الإرادة في معالجة التحديات الاجتماعية المعاصرة مثل الفساد، وأزمة الهوية، والقضايا البيئية، وتحديات الفضاء الرقمي.
تشير النتائج إلى أن تعزيز الإرادة الجماعية بناءً على التعاليم القرآنية يمكن أن يلعب دوراً حيوياً في حل القضايا الاجتماعية وتحسين الحوكمة. توفر هذه الدراسة إطاراً مفاهيمياً لفهم دور الإرادة في الحوكمة الفعالة، مما يمهد الطريق لمزيد من البحث في هذا المجال.
تحظى الإرادة بمكانة خاصة في القرآن الكريم وعلومه، حيث يرد هذا المفهوم بعدة مصطلحات مثل العزم والهمة والنية، كل منها يعبر عن أبعاد محددة للإرادة. فكلمة “العزم” تعني القرار الراسخ والمحكم، كما في قوله تعالى: “فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ” (آل عمران: 159)، حيث يعرفها الراغب الأصفهاني في كتابه “مفردات ألفاظ القرآن” بأنها “ربط القلب على فعل الشيء” (الراغب الأصفهاني، 1412 هـ، ص 569). أما كلمة “الهمة” فتعني الإرادة القوية والعزيمة الراسخة، كما في قصة النبي يوسف عليه السلام: “وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا” (يوسف: 24)، حيث يشرحها العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان بأنها “الميل الشديد للنفس نحو الشيء” (الطباطبائي، 1417 هـ، ج 11، ص 153). في حين تعني كلمة “النية” القصد والهدف، كما في قوله تعالى: “وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ” (النحل: 9)، حيث يوضحها آية الله مكارم الشيرازي في تفسير الأمثل بأنها “الإرادة والتصميم لبلوغ الهدف” (مكارم الشيرازي، 1374، ج 11، ص 234).
يشير مفهوم “حوكمة الإرادة” إلى قدرة الفرد أو المجتمع على التحكم في رغباته وتوجيه أفعاله. ومن المنظور القرآني، يكتسب هذا Concept أهمية خاصة باعتباره أحد الأدوات الرئيسية للإنسان في مسار النمو والارتقاء الشخصي والاجتماعي. لهذا المفهوم جذور عميقة في الفكر الإسلامي، وقد أولاه المفكرون المسلمون اهتماماً بالغاً عبر التاريخ. ومن بين هؤلاء المفكرين سيد قطب الذي تناوله في تفسيره “في ظلال القرآن”، حيث يؤكد على أهمية الإرادة الإنسانية في بناء الحضارة والمجتمع، معتبراً أن القرآن يقدم الإنسان باعتباره خليفة الله على الأرض، وهو منصب يتطلب إرادة قوية ومسؤولية عالية (قطب، 1412 هـ، ج 1، ص 57-58).
هذه الرؤية التي يقدمها سيد قطب تنسجم مع الآيات القرآنية التي تناولت موضوع الإرادة ودورها في الحياة الإنسانية. ومن أبرز هذه الآيات قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ” (الرعد: 11)، التي تؤكد بوضوح دور الإرادة الإنسانية في تغيير مصير المجتمع وتحويله (الطباطبائي، 1417 هـ، ج 11، ص 372). ولا تقتصر هذه الآية على التأكيد على أهمية الإرادة الفردية فحسب، بل تشير أيضاً إلى دور الإرادة الجماعية في التحولات الاجتماعية. وقد لفت هذا الجانب انتباه العديد من المفكرين المعاصرين، منهم محمد عابد الجابري الذي حلل مفهوم الإرادة في الثقافة الإسلامية في كتابه “العقل الأخلاقي العربي”، حيث يرى أن الإرادة في الفكر الإسلامي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم “العقل العملي”، وتلعب دوراً محورياً في تشكيل الأخلاق الفردية والاجتماعية (الجابري، 2001، ص 43-145).
ويؤكد العلامة الطباطبائي أيضاً على أهمية الإرادة الجماعية في التطورات الاجتماعية، حيث يرى في تفسير الميزان أن التغييرات الجوهرية في المجتمعات تتطلب تحولاً في إرادة الناس ورغباتهم (الطباطبائي، 1417 هـ، ج 11، ص 373-375). وقد تبنى هذا المنحنى العديد من المفكرين المعاصرين، منهم محمد عمارة الذي بحث دور إرادة الناس في الحكم الإسلامي في كتابه “الإسلام وفلسفة الحكم”، حيث يؤكد من خلال الاستناد إلى الآيات القرآنية والسنة النبوية على أهمية مشاركة الناس في شؤون الحكم ودور الإرادة الجماعية في تحقيق أهداف المجتمع الإسلامي (عمارة، 1989، ص 87-90).
كما تناول مرتضى مطهري بالتفصيل دور الإرادة الإنسانية في تحديد المصير الفردي والاجتماعي في كتابه “الإنسان والمصير”، حيث يعتبر الإرادة من أهم العوامل في تشكيل هوية الإنسان والمجتمع (مطهري، 1385، ص 78-82). وهذا التركيز على دور الإرادة الإنسانية في تحديد المصير يثير تساؤلات حول العلاقة بين الإرادة البشرية والإرادة الإلهية، وهو موضوع تناوله عبد الكريم سروش في كتابه “القبض والبسط في الشريعة”، حيث يقدم تحليلاً للآيات القرآنية يؤسس لرؤية تعمل فيها الإرادة البشرية ضمن إطار الإرادة الإلهية، دون أن يعني ذلك إلغاء حرية الإرادة البشرية (سروش، 1374، ص 210-215).
وفي سياق بحث حوكمة الإرادة، يكتسب مفهوم “الاختيار” أهمية خاصة، حيث يؤكد القرآن الكريم على حرية الإرادة الإنسانية في عدة آيات، منها قوله تعالى: “فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ” (الكهف: 29)، التي تؤكد بوضوح حرية الإنسان في اختيار مسار حياته (مكارم الشيرازي، 1374، ج 12، ص 427). وقد لفت هذا التأكيد القرآني على حرية الإنسان انتباه العديد من المفكرين المعاصرين، منهم محمد شحرور الذي حلل مفهوم الاختيار في القرآن في كتابه “الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة”، حيث يرى أن حرية الإرادة الإنسانية تمثل أحد المبادئ الأساسية لفهم رسالة القرآن، وأن الفهم الصحيح لهذا المفهوم ضروري لتفسير الآيات الإلهية تفسيراً سليماً (شحرور، 1990، ص 543).
أما آية الله جوادي آملي فقد قسم الإرادة في تفسيره “تسنيم” إلى قسمين: تكوينية وتشريعية، حيث ترتبط الإرادة التكوينية بالقوانين الثابتة لله في الكون، بينما ترتبط الإرادة التشريعية بمجال اختيار الإنسان (جوادي آملي، 1389، ج 5، ص 234-236). وهذا التقسيم يثير تساؤلات حول العلاقة بين الإرادة الإلهية والإرادة البشرية، وهو موضوع تناوله حسن حنفي في كتابه “من العقيدة إلى الثورة”، حيث يحلل الآيات القرآنية والتفسيرات المختلفة ليقدم رؤية تعمل فيها الإرادة البشرية ضمن إطار الإرادة الإلهية، مع الاحتفاظ بحريتها (حنفي، 1988، ج 2، ص 178-180).
وفي إطار بحث حوكمة الإرادة، يبرز دور الإيمان والروحانية في تقوية الإرادة، حيث يشير القرآن الكريم في عدة آيات إلى تأثير الإيمان في تعزيز الإرادة، منها قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ” (محمد: 7)، التي تبين أن الإيمان والعمل الصالح يقويان الإرادة ويثبتان الإنسان في مسيرته الحياتية (فضل الله، 1419 هـ، ج 22، ص 89-90). وقد تبنى هذا المنحنى طه جابر العلواني في كتابه “إصلاح الفكر الإسلامي”، حيث يرى أن تعزيز الإيمان والروحانية في المجتمع يسهم في تقوية الإرادة الجماعية وتقدم المجتمع (العلواني، 1995، ص 123-125).
وتكشف هذه الرؤى أن مفهوم حوكمة الإرادة في الفكر الإسلامي يتسم بأبعاد واسعة وجوانب متعددة، يمكن دراستها على المستويات الفردية والاجتماعية والروحية. ويؤدي الفهم الصحيح لهذا المفهوم إلى تحسين جودة الحياة الشخصية والاجتماعية للمسلمين.
السؤال الرئيسي للبحث:
“ما دور الإرادة الفردية والجماعية في حل التحديات الاجتماعية من منظور القرآن الكريم والمفكرين الإسلاميين المعاصرين، وكيف يمكن توظيف هذا المفهوم في الحكم الرشيد؟”
ومن خلال الإجابة على هذا السؤال، يمكن تقديم رؤية جديدة حول دور الإرادة في الحكم الرشيد ومواجهة التحديات الاجتماعية بناءً على التعاليم القرآنية.
منهجية البحث: يعتمد هذا البحث على المنهج الوصفي التحليلي مع المدخل الكيفي، حيث يتم في البداية جمع البيانات المتعلقة بالموضوع من المصادر القرآنية الموثوقة والتفسيرات وأعمال المفكرين الإسلاميين المعاصرين. ثم تخضع هذه البيانات للتحليل والدراسة الدقيقة لتوضيح العلاقة بين مفهوم الإرادة في القرآن ودوره في مواجهة التحديات الاجتماعية المعاصرة. ويهدف البحث الحالي إلى التحقيق في دور الإرادة في حل التحديات الاجتماعية المعاصرة وتفسيره من منظور القرآن الكريم والمفكرين الإسلاميين.
2. خلفية البحث
عند استعراض الخلفية البحثية المتعلقة بموضوع “القرآن الكريم وحوكمة الإرادة: دور الإرادة في حل التحديات الاجتماعية”، نجد عدة دراسات سابقة تناولت هذا المجال. ففي عام 2016، بحث محمد تقي سبحاني نيا دور الإرادة في التحول الاجتماعي من منظور قرآني، موضحاً دور الإرادة في إحداث التغييرات الاجتماعية بالاستناد إلى الآيات القرآنية. وركزت تلك الدراسة على التحول الاجتماعي، بينما يركز البحث الحالي بشكل خاص على حل التحديات الاجتماعية. وفي عام 2018، قدم علي أصغر بورعزت نموذجاً للحكم الرشيد بناءً على المفاهيم القرآنية من خلال طرح “نموذج الحكم المثالي في ضوء التعاليم القرآنية”. وقد اهتمت تلك الدراسة بالحكم بشكل عام، بينما يركز البحث الحالي على دور الإرادة في الحكم وحل التحديات الاجتماعية.
وفي عام 2019، حلل محمد رضا حاتمي وزملاؤه مفهوم الإرادة في القرآن ودورها في التربية الاجتماعية، ودرسوا العلاقة بين مفهوم الإرادة في القرآن والتربية الاجتماعية. وقد ركزت تلك الدراسة على الجانب التربوي للإرادة، بينما يؤكد البحث الحالي على دور الإرادة في حل التحديات الاجتماعية. وفي عام 1400هـ، أجرت زهرا محمدي ومحمد رضا شاهرودي “دراسة مقارنة لمفهوم الإرادة في القرآن والفلسفة الإسلامية”، وقارنتا بين الرؤى القرآنية والفلسفية حول مفهوم الإرادة. وكانت تلك الدراسة نظرية وفلسفية في الغالب، بينما يركز البحث الحالي على التطبيق العملي لمفهوم الإرادة في حل التحديات الاجتماعية.
وفي عام 1401هـ، بحث مهدي إبراهيمي وزملاؤه “دور الإرادة الجماعية في التنمية الاجتماعية من منظور القرآن والحديث”، ودرسوا أهمية الإرادة الجماعية في التقدم الاجتماعي بالاستناد إلى المصادر الإسلامية. وركزت تلك الدراسة على التنمية الاجتماعية، بينما يركز البحث الحالي بشكل خاص على حل التحديات الاجتماعية ودور الإرادة فيها.
ويتميز البحث الحالي الموسوم بـ”القرآن الكريم وحوكمة الإرادة: دور الإرادة في حل التحديات الاجتماعية” بعدة إضافات علمية مبتكرة. حيث يقدم هذا البحث مع تركيز خاص على العلاقة بين مفهوم الإرادة في القرآن وحل تحديات اجتماعية معاصرة محددة، إطاراً مفاهيمياً جديداً لفهم دور الإرادة في الحكم الأمثل بناءً على التعاليم القرآنية. كما أنه يجمع بين دراسة الرؤى القرآنية وآراء المفكرين الإسلاميين المعاصرين في آن واحد، ويقدم حلولاً عملية لتعزيز الإرادة الجماعية لحل التحديات الاجتماعية. وتكمن إضافة بحثية أخرى في دمج مفاهيم الحوكمة والإرادة والتحديات الاجتماعية في إطار متجانس مرتكز على التعاليم القرآنية، وهو ما يعد منهجاً جديداً في هذا المجال. ويمكن لهذه الإضافات العلمية أن تمهد الطريق لتقديم رؤية جديدة وعملية لدور الإرادة في حل التحديات الاجتماعية بناءً على التعاليم القرآنية.
3. مفهوم الإرادة وأنواعها في القرآن الكريم
يعد مفهوم الإرادة في القرآن الكريم من المفاهيم المحورية التي وردت في عدة آيات. حيث يرد هذا المفهوم في سياق العلاقة بين الإنسان والخالق، ويؤدي دوراً مهماً في فهم علاقة الإنسان بربه ومسؤولياته في الحياة. وقد وردت مشتقات كلمة “الإرادة” في القرآن الكريم أكثر من 140 مرة (عبد الباقي، 1364، ص 32-3)، مما يدل على الأهمية الخاصة لهذا المفهوم في الفكر الإسلامي. ويؤكد هذا التكرار والتركيز على مفهوم الإرادة في القرآن على مكانته المركزية في الرؤية الكونية الإسلامية. ويسهم الفهم الصحيح لهذا المفهوم في إدراك أفضل لعلاقة الإنسان بالله ودوره في الكون.
يقدم القرآن الكريم الإرادة في صورتين: الإرادة الإلهية والإرادة البشرية. ورغم اختلاف هذين النوعين من الإرادة، إلا أنهما يعملان بتناسق في نظام متكامل. ويعد الفهم الصحيح للعلاقة بين هذين النوعين من الإرادة مفتاحاً لفهم العديد من القضايا الكلامية والفلسفية في الإسلام. وقد أسهم هذا التقسيم الثنائي للإرادة إلى إلهية وبشرية في إثراء النقاشات الفلسفية والكلامية العميقة في تاريخ الفكر الإسلامي، حيث شغل موضوع تفاعل هذين النوعين من الإرادة أذهان العديد من المفكرين المسلمين.
تظهر الإرادة الإلهية في القرآن كأحد صفات الله تعالى، كما في قوله تعالى في سورة يس الآية 82: “إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ”، وهي آية تدل على القدرة المطلقة لله تعالى وتحقق إرادته دون أي عوائق (الطباطبائي، 1417هـ، ج17، ص114). وتقدم هذه الآية تصوراً عن القدرة الإلهية اللامحدودة. ومع ذلك، فإن القرآن الكريم يولي أهمية خاصة أيضاً للإرادة البشرية، مما يشكل أحد أكثر الموضوعات تعقيداً في الفلسفة والكلام الإسلامي.
من ناحية أخرى، نجد الإرادة البشرية في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى في سورة الكهف الآية 29: “فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ”، وهي آية تؤكد بوضوح على حرية الإنسان في اختيار مسار حياته، وتشكل دليلاً على حرية الإرادة البشرية ومسؤوليتها عن خياراتها (مكارم الشيرازي، 1412هـ، ج9، ص321). ويستدعي هذا التأكيد على الإرادة البشرية قضية المسؤولية الأخلاقية، حيث يصبح الإنسان مسؤولاً عن خياراته. ويشكل هذا المفهوم أساساً للعديد من التعاليم الأخلاقية والقانونية في الإسلام، وله انعكاسات واسعة على مختلف جوانب الحياة الشخصية والاجتماعية.
وتعد العلاقة بين الإرادة الإلهية والإرادة البشرية من أهم الموضوعات في مجال دراسة الإرادة في القرآن. كما في قوله تعالى في سورة الإنسان الآية 30: “وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ”، حيث قد يبدو للوهلة الأولى أن هناك تعارضاً بين الإرادتين. إلا أن المفسرين قدموا تفسيرات مختلفة لهذه الآية، التي تعد من أكثر الآيات إثارة للنقاش في موضوع الإرادة. فبعض المفسرين يعتمدون نظرية “الكسب” في تفسير هذه الآية، حيث يرون أن إرادة الإنسان تعمل في إطار الإرادة الإلهية العامة، وأن الله قد منح الإنسان قدرة الإرادة والاختيار (فخر الرازي، 1420هـ، ج30، ص747). وتحاول هذه النظرية التوفيق بين الجبر والاختيار، حيث لا يكون الإنسان مجبراً تماماً ولا مخيراً تماماً، بل يملك إرادة حرة في إطار القوانين الإلهية (الطباطبائي، 1417هـ، ج20، ص173-175).
كما تقدم نظرية “الأمر بين الأمرين” التي يتبناها الشيعة حلاً آخر لإشكالية الجبر والاختيار، حيث تحاول إيجاد طريق وسط بين الرؤيتين المتطرفتين للجبر المطلق والاختيار المطلق. وتركز هذه النظرية على أن للإنسان اختياراً في إطار القوانين الإلهية، مع الحفاظ على كرامة الإنسان وسيادة الله. وفي هذا السياق، يبرز مفهوم “القضاء والقدر” كأحد المفاهيم المهمة في بحث الإرادة، كما في قوله تعالى في سورة التكوير الآية 29: “وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ”، حيث تظهر هذه الآية الانسجام بين الإرادة البشرية والقدر الإلهي (جوادي آملي، 2009، ج5، ص234-236). ويقدم هذا المفهوم تصوراً عن النظام الكوني المتناسق الذي تتفاعل فيه الإرادتان الإلهية والبشرية.
ويرتبط مفهوم الإرادة في القرآن أيضاً بمفهوم الهداية، كما في قوله تعالى في سورة فصلت الآية 17: “فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى”، حيث تبين هذه الآية أن الهداية الإلهية متاحة للجميع، ولكن قبولها أو رفضها يعتمد على الإرادة البشرية، مما يؤكد مسؤولية الإنسان عن خياراته (قطب، 1412هـ، ج5، ص3112). ويؤكد هذا الربط بين الإرادة والهداية على المساءلة الأخلاقية، حيث يكون الإنسان مسؤولاً ليس فقط عن أفعاله، ولكن أيضاً عن قبوله أو رفضه للهداية الإلهية.
“يعد القرآن الكريم الإرادة الفردية والجماعية مفتاحًا لحل التحديات الاجتماعية، ويعزز ذلك عبر التزكية والوحدة والعمل الصالح. وتثبت نتائج هذا البحث أن دمج الإرادة البشرية بالإرادة الإلهية في إطار التعاليم القرآنية يُشكل نموذجًا فعالًا للحوكمة الناجحة.”
بشكل عام، يرتبط مفهوم الإرادة في القرآن الكريم بقضايا مثل الاختيار والمسؤولية والهداية والمصير. ففي الوقت الذي يؤكد القرآن على القدرة المطلقة لله، فإنه يمنح الإنسان أيضاً الإرادة والاختيار ويجعله مسؤولاً عن أفعاله وخياراته. ويسهم الفهم الصحيح لهذا المفهوم في تشكيل الرؤية الكونية الإسلامية والسلوك الفردي والاجتماعي للمسلمين (ابن عاشور، 1984، ج21، ص126). ويؤسس هذا الفهم لموقف متوازن من الحياة، حيث يرى الإنسان نفسه مسؤولاً أمام الله، وفي نفس الوقت يملك القدرة على الاختيار واتخاذ القرارات. ويمكن لهذا الموقف المتوازن أن يشكل أساساً متيناً للنمو الفردي والاجتماعي في المجتمعات الإسلامية، حيث يشجع الناس على السعي الجاد في الحياة، وفي نفس الوقت يحول دون الأنانية وإهمال الآخرين. وبذلك يمكن لهذا المفهوم أن يكون أساساً لبناء مجتمع ديناميكي مسؤول، ملتزم بالقيم الأخلاقية والروحية.
4. تفاعل الإرادة الإلهية والإرادة البشرية في التعاليم القرآنية
يُعد مفهوم التفاعل بين الإرادة الإلهية والإرادة البشرية من أكثر الموضوعات تعقيداً وأهمية في التعاليم القرآنية. فهذه المسألة ليست ذات أهمية من الناحية الكلامية فحسب، بل تمتد إلى الجوانب الفلسفية والأخلاقية. وقد تناول القرآن الكريم هذه القضية في عدة آيات، مقدماً صورة متعددة الأبعاد للعلاقة بين إرادة الله وإرادة الإنسان. وينبع هذا التعقيد والأهمية من أن الفهم الصحيح لهذه العلاقة له تأثير مباشر على تصوراتنا لمفاهيم أساسية مثل المسؤولية والعدالة ومعنى الحياة، مما جعل هذه القضية محط اهتمام المفكرين والمفسرين المسلمين عبر التاريخ.
للوهلة الأولى، قد يبدو أن الإرادة المطلقة لله تتعارض مع الاختيار البشري. إلا أن الفحص الدقيق للآيات القرآنية يكشف أن هذين المفهومين ليسا في حالة تعارض، بل يتفاعلان في نظام متناغم. ويشير العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان (1417هـ، ج1، ص152) إلى أن القرآن الكريم يؤكد في آن واحد على القدرة المطلقة لله وحرية إرادة الإنسان. وتكمن أهمية هذه الرؤية في أنها تحقق التوازن بين القدرة الإلهية المطلقة والاختيار البشري، وهو أمر ضروري لفهم المسؤولية الإنسانية عن الأفعال.
وتظهر آية “وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ” (الإنسان: 30) هذا التفاعل بوضوح، حيث تفسر على أنها دليل على الانسجام بين الإرادتين الإلهية والبشرية. ويوضح آية الله مكارم الشيرازي (1412هـ، ج25، ص347) أن إرادة الإنسان حرة، لكنها تعمل في إطار حدده الله، مما يوفر حلاً للتعارض الظاهري بين الجبر والاختيار. وفي المقابل، يؤكد القرآن على مسؤولية الإنسان عن أفعاله، كما في آية “فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ” (الكهف: 29)، التي يرى آية الله جوادي آملي في تفسير تسنيم (1389، ج8، ص213) أنها تثبت حرية الإرادة الإنسانية في الفكر الإسلامي.
ولفهم هذا التفاعل بشكل أفضل، استخدم بعض المفسرين مفهوم “الأمر بين الأمرين”، الذي يعني أن الإنسان ليس مجبراً تماماً ولا مخيراً تماماً، بل له إرادة حرة في إطار القوانين الإلهية. ويقدم الفخر الرازي في التفسير الكبير (1420هـ، ج20، ص102) هذه الرؤية كحل للتعارض الظاهري بين الجبر والاختيار. كما تطرح نظرية “الكسب” حلاً آخر لهذه الإشكالية، حيث ترى أن أفعال الإنسان يكتسبها بنفسه، لكن القدرة على أدائها منحة إلهية (ابن عاشور، 1984، ج1، ص89).
ويرتبط هذا التفاعل أيضاً بمفهوم الهداية، كما في قوله تعالى: “فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى” (فصلت: 17)، حيث يؤكد سيد قطب (1412هـ، ج5، ص3102) أن الهداية الإلهية متاحة للجميع، لكن قبولها أو رفضها يعتمد على الإرادة البشرية، مما يعزز مسؤولية الإنسان تجاه مصيره ومجتمعه.
وفي الختام، يمكن القول إن تفاعل الإرادة الإلهية والبشرية في التعاليم القرآنية يقدم نموذجاً لنظام متناغم، حيث توفر الإرادة الإلهية المطلقة إطاراً تمارس فيه الإرادة البشرية حريتها واختيارها. وهذه الرؤية المتوازنة تشكل أساساً متيناً لرؤية كونية إسلامية متكاملة، حيث يكون الإنسان كائناً مستقلاً ومسؤولاً في نفس الوقت، يعيش تحت سيادة الله وهدايته. ويمكن لهذا الفهم أن يكون أساساً لنمو فردي واجتماعي متوازن في المجتمعات الإسلامية.
5. الحلول القرآنية لتعزيز الإرادة الفردية والجماعية في المجتمع
يقدم القرآن الكريم ككتاب هداية للبشرية منظومة متكاملة من الحلول لتعزيز الإرادة الفردية والجماعية في المجتمع. وتعمل هذه الحلول معاً بشكل متكامل لتحقيق النمو والارتقاء للإنسان والمجتمع.
التزكية الذاتية: تعد تزكية النفس الخطوة الأولى لتعزيز الإرادة، كما في قوله تعالى: “قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا” (الشمس: 9). يرى العلامة الطباطبائي (1417هـ، ج20، ص295) أن التزكية الذاتية هي الأساس لبناء الإرادة القوية والسعي نحو الكمال.
التفكير والتعقل: يحث القرآن على التأمل والتفكير، كما في آية: “يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ” (آل عمران: 191). يؤكد مكارم الشيرازي (1374، ج3، ص167) أن التفكير في الخلق يقوي الإرادة والإيمان ويوجه نحو العمل الصالح.
الصبر والثبات: يوصي القرآن بالصبر كعامل أساسي لتعزيز الإرادة: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا” (آل عمران: 200). يبين جوادي آملي (1389، ج16، ص512) أن الصبر يقوي الإرادة الفردية والجماعية ويمكن المجتمع من مواجهة التحديات.
العمل والاجتهاد: يؤكد القرآن على أهمية السعي: “وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى” (النجم: 39). يرى الفخر الرازي (1420هـ، ج29، ص301) أن الجهد لا يحقق النتائج المادية فحسب، بل يقوي الإرادة البشرية.
الوحدة والتضامن: يدعو القرآن إلى التماسك الاجتماعي: “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا” (آل عمران: 103). يشرح القرشي (1377، ج2، ص178) أن الوحدة تقوي الإرادة الجماعية وتمكن المجتمع من تحقيق أهدافه.
العلم والمعرفة: يرفع القرآن مكانة العلم: “يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ” (المجادلة: 11). يبين الطبرسي (1372، ج9، ص389) أن العلم أداة قوية لتعزيز الإرادة والتقدم المجتمعي.
التوكل على الله: يوصي القرآن بالتوكل: “فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ” (آل عمران: 159). يوضح الزمخشري (1407هـ، ج1، ص452) أن التوكل يقوي الإرادة ويزيد الثقة بالنفس.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: يعد هذا المبدأ تجسيداً عملياً لكل الحلول السابقة: “وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ” (آل عمران: 104). يشرح المغنية (1424هـ، ج2، ص23) أن هذا المبدأ يقوي الإرادة الجماعية ويبني مجتمعاً صحياً.
تشكل هذه الاستراتيجيات القرآنية نظاماً متكاملاً لتربية أفراد ومجتمعات قوية الإرادة، قادرة على مواجهة تحديات الحياة والسعي نحو الكمال. ويؤدي الفهم العميق لهذه الحلول وتطبيقها إلى تحولات كبيرة في المجتمعات الإسلامية، تقودها نحو النمو الحقيقي والارتقاء.
6 . التحديات الاجتماعية المعاصرة وتطبيق مبادئ حكم الإرادة القرآنية في حلها
تواجه المجتمعات الإنسانية في عصرنا الحالي العديد من التحديات التي تتطلب حلولاً شاملة وفعالة. ويقدم القرآن الكريم كمصدر للهداية الإنسانية المبادئ والأسس لحكم الإرادة التي يمكن أن تكون فعالة جداً في مواجهة هذه التحديات.
الفقر وعدم المساواة الاقتصادية:
يعد الفقر وعدم المساواة من أهم التحديات الاجتماعية التي أولى لها القرآن الكريم اهتماماً خاصاً. ففي سورة الحشر الآية 7: “كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ”، نجد تأكيداً واضحاً على ضرورة التوزيع العادل للثروة ومنع تركيزها في أيدي قلة. يرى مفسرو القرآن أن هذه الآية تعبر عن مبدأ مهم في الاقتصاد الإسلامي يهدف لتحقيق التوازن الاقتصادي في المجتمع. ويشير آية الله مكارم الشيرازي في تفسير الأمثل (1374، ج23، ص489) إلى أن الإسلام يعارض بشدة تركيز الثروة ويسعى لدورانها الصحي بين جميع فئات المجتمع. لكن الجدير بالذكر أن تحقيق هذا الهدف القرآني السامي يتطلب إرادة جماعية قوية على مستوى الحكام والمحكومين. ويؤكد آية الله جوادي آملي (1389، ج5، ص234) أن القضاء على الفقر يحتاج لإرادة قوية لدى الحكام في تطبيق العدالة، ومشاركة فعالة من الشعب.
الفساد الإداري والمالي:
يأتي الفساد الإداري والمالي كأحد أخطر التحديات التي حذر منها القرآن الكريم. ففي سورة النساء الآية 58: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا”، نجد تأكيداً على أهمية الأمانة واحترام حقوق الآخرين كمبدأ أساسي لمكافحة الفساد. يبين العلامة الطباطبائي في الميزان (1417هـ، ج4، ص389) أن مكافحة الفساد لا تتحقق بمجرد وضع القوانين، بل تتطلب إرادة جماعية وفردية لاحترام الأمانة. ويؤيد آية الله مصباح يزدي (2011، ج2، ص178) هذا الرأي، مشيراً إلى أن مكافحة الفساد تحتاج لعزيمة وطنية وإرادة جماعية على جميع المستويات.
أزمة الهوية والاغتراب الثقافي:
تتعامل المجتمعات المعاصرة مع تحديات الهوية والانتماء، وقد تناول القرآن الكريم هذا الجانب في سورة الحجرات الآية 13: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا”. يؤكد المرتضى مطهري (1368، ج2، ص156) أن الحفاظ على الهوية الثقافية مع احترام التنوع يتطلب إرادة قوية للأمم. ويضيف آية الله الخامنئي (2012، ص87) أن عصر العولمة يتطلب إرادة وطنية قوية للحفاظ على الهوية في جميع مؤسسات المجتمع.
المشاكل البيئية:
أولى القرآن الكريم اهتماماً خاصاً بالقضايا البيئية، كما في سورة الأعراف الآية 56: “وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا”. يرى آية الله جوادي آملي (1389، ج8، ص312) أن حماية البيئة لا تتحقق بالقوانين فقط بل بإرادة جماعية وفردية. ويؤكد مصباح يزدي (2011، ج3، ص245) أن هذه المسؤولية المشتركة تتطلب عزيمة وطنية لتفعيل التشريعات البيئية.
العنف والصراعات العرقية والدينية:
يعالج القرآن الكريم هذه القضية في سورة الحجرات الآية 13، مؤكداً على المساواة الإنسانية وأهمية التعارف. يبين العلامة الطباطبائي (1417هـ، ج18، ص329) أن التنوع العرقي والديني حقيقة إلهية تتطلب إرادة جماعية للتعايش السلمي. ويضيف مكارم الشيرازي (1374، ج22، ص187) أن تحقيق هذا التعايش يحتاج لإرادة قوية على جميع المستويات.
الأزمة الأخلاقية:
في سورة القلم الآية 4: “وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ”، نجد تأكيداً على أهمية الأخلاق. يشير الطباطبائي (1417هـ، ج19، ص371) إلى أن تحسين الأخلاق في المجتمع يتطلب جهداً متواصلاً وإرادة قوية. ويؤيد جوادي آملي (2019، ج10، ص189) هذا الرأي، مؤكداً على ضرورة الإرادة الجماعية لتجسيد الأخلاق الإسلامية.
الظلم والتمييز:
تعالج سورة المائدة الآية 8 هذه القضية: “وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا”. يؤكد مطهري (1368، ج4، ص278) أن تحقيق العدالة يتطلب إرادة قوية للحكام والشعب. ويضيف الخامنئي (2012، ص123) أن هذا يحتاج لإرادة وطنية شاملة في جميع المؤسسات.
أزمة الروحانيات:
في سورة الرعد الآية 28: “أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ”، نجد حلاً للأزمة الروحية. يرى الطباطبائي (1417هـ، ج11، ص351) أن علاج الفراغ الروحي يتطلب إرادة فردية وجماعية. ويؤيد مصباح يزدي (2011، ج1، ص312) هذا الطرح.
تحديات التكنولوجيا والفضاء الرقمي:
رغم عدم وجود إشارة مباشرة في القرآن، إلا أن آية “وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا” (طه: 114) يمكن أن تكون دليلاً. يرى جوادي آملي (1389، ج6، ص27) أن إدارة هذه التحديات تتطلب إرادة جماعية لاستخدام العلم بشكل صحيح. ويؤكد الخامنئي (2012، ص156) على ضرورة الإرادة الوطنية لإدارة الفضاء الرقمي.
7 . الخاتمة
يخلص هذا البحث إلى نتائج بالغة الأهمية من خلال التحقيق الشامل لمفهوم الإرادة في القرآن الكريم وتطبيقاته العملية في معالجة المشكلات الاجتماعية المعاصرة. وتكشف النتائج عن المكانة المركزية التي يوليها القرآن الكريم للإرادة الفردية والجماعية، باعتبارها عاملاً محورياً في إحداث التحولات الاجتماعية الإيجابية.
من خلال دراسة الآيات القرآنية والتفسيرات المعتبرة، يتضح أن مفهوم الإرادة في المنظور القرآني يتجسد عبر مصطلحات مثل العزم والنية والهمة، ويشمل أبعاداً متعددة لقدرة الإنسان على توجيه رغباته وتصرفاته. كما كشف البحث عن التفاعل المتوازن بين الإرادة الإلهية والإرادة البشرية في المنظومة القرآنية، مبرزاً كيف يتكاملان في إطار متناسق.
ومن أبرز مخرجات هذا البحث تقديم منظومة متكاملة من الحلول القرآنية لتعزيز الإرادة في المجتمع، تشمل:
التزكية الذاتية وتربية النفس
التحفيز على التفكير والتعقل
تعزيز قيم الصبر والثبات
التأكيد على أهمية العمل والاجتهاد
الدعوة إلى الوحدة والتضامن الاجتماعي
التركيز على طلب العلم والمعرفة
التوكل على الله والثقة به
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وقد طبق البحث هذه المبادئ القرآنية على مجموعة من التحديات الاجتماعية الراهنة، بما في ذلك:
الفقر وعدم المساواة الاقتصادية
الفساد الإداري والمالي
أزمة الهوية والاغتراب الثقافي
المشكلات البيئية
العنف والصراعات العرقية والدينية
الأزمات الأخلاقية
الظلم والتمييز
الفراغ الروحي
تحديات التكنولوجيا والفضاء الرقمي
وتؤكد النتائج أن مواجهة هذه التحديات تتطلب إرادة جماعية شاملة تنطلق من القاعدة الشعبية إلى مستوى صناع القرار، مع الاستناد إلى المبادئ القرآنية والقيم الإسلامية. كما يبرز البحث أن مفهوم “حكم الإرادة” المستمد من القرآن الكريم يشكل إطاراً فعالاً للإدارة المجتمعية ومواجهة التحديات الاجتماعية.
وفي الختام، يفتح هذا البحث آفاقاً جديدة للدراسات المستقبلية، مقترحاً:
بحث التطبيقات الميدانية للإرادة الجماعية في المجتمعات الإسلامية
إجراء دراسات مقارنة بين المفهوم القرآني للإرادة والرؤى الفلسفية والنفسية المعاصرة
استكشاف آليات تفعيل الإرادة الجماعية في مختلف المجالات الاجتماعية
وبهذا يكون البحث قد قدم إضافة نوعية في مجال الدراسات القرآنية التطبيقية، مع طرح رؤية متكاملة لمواجهة التحديات المجتمعية من خلال الاستلهام من المنظومة القرآنية.
References:
Holy Quran, translated by Nasser Makarem Shirazi
Ebrahimi, M., Alavi, S., and Rezaei, F. (1401). The role of collective will in social development from the perspective of the Qur’an and hadiths. Islamic Social Studies, 23 (2), 201-220.
Ibn Ashour, m. i. (1984). Tahrir and al-Tanvir. Tunisia: Eldar Al-Tunsia publishing house .
Pourezat, A. A. (2018). Ideal governance model in the light of Quranic teachings. Islamic Management, 27 (2) 87-110.
Al-Jabari, Mohammad Abid (2001). Al-Aql al-Akhla al-Arabi. Beirut: Arab Unity Studies Center.
Hatami, M., Rezaei, H., and Mohammadi, S. (2019). Analysis of the concept of will in the Quran and its role in social education. Educational Research, 15 (4) 123-142.
Hanafi, Hassan. (1988). I believe in revolution. Beirut: Dar al-Tanvir.
Zamakhshari, M. (1407). Al-Kashaf on the facts of Ghawamaz al-Tanzil. Beirut: Dar al-Kitab al-Arabi.
Sobhaninia, M. (2016). Investigating the role of will in social transformation from the perspective of the Quran. Quranic Studies 12 (3) 45-62.
Soroush, Abdul Karim. (1374). The theoretical development of Sharia law. Tehran: Sarat.
Shahrour, Mohammad. (1990). Al-Kitab and the Qur’an: a contemporary reading. Damascus Al-Ahly for printing and publishing.
Tabatabai, M. H. (1417). Al-Mizan in the interpretation of the Qur’an. Islamic publications notebook.
Tabarsi, F. (1372). Al-Bayan Complex in the Interpretation of the Qur’an. Tehran: Nasir Khosraw Publications
Abdul-Baqi, M. F. (1364). The Indexed Dictionary of the Words of the Holy Qur’an. Cairo Dar Al-Hadith.
Al-Alwani, Taha Jabir. (2001). Reforming Islamic Thought. Herndon: International Institute of Islamic Thought.
Amara, Muhammad. (1989). Islam and the Philosophy of Governance. Beirut: Arab Institution for Studies and Publishing.
Fakhr Razi, M. (1420). Keys to the Unseen (Al-Tafsir Al-Kabir). Beirut: Arab Heritage Revival House.
Fakhr Razi, M. b. A. (1420). Al-Tafseer Al-Kabir (Mufatih al-Ghayb). Beirut: Dar Ehiya al-Trath al-Arabi.
Fadlullah, Mohammad Hossein. AH. (1419). I am the revelation of the Qur’an. Beirut: Dar Al Malak.
Qureshi, S. A. A. (1377). Ahsan hadith commentary. Tehran: Baath Foundation.
Qutb, Seyyed. AH. (1412). In the shadows of the Qur’an. Beirut: Dar al-Sharouq.
Mohammadi, Z., and Shahroudi, M. R. (1400). A comparative study of the concept of will in the Quran and Islamic philosophy. Philosophy of Religion 18 (1) 67-88.
Motahari, Morteza. (1385). Man and destiny. Tehran: Sadra Publications.
Mughniyeh, M. c. (1424). Al-Tafsir al-Kashif. Qom: Dar al-Kitab al-Islami.
Makarem Shirazi, N. (1421). The best interpretation of the revealed book of God. The school of Imam Ali bin Abi Talib.
Makarem Shirazi, Nasser. (1374). Interpretation of growth. Tehran: Dar Al-Kutub Al-Islamiyyah.