تعد الشورى والمشاركة السياسية مفهومين أساسيين في النظام السياسي الإسلامي، حيث لهما جذور في القرآن وسيرة المعصومين. تبحث هذه المقالة بطريقة تحليلية تفسيرية في طبيعة الشورى في القرآن، وتوضح أن المشاركة السياسية المشروطة القصوى (التوكيلية) ليست آلية عقلانية فحسب، بل هي واجب ديني في عصر الغيبة. وبالاستناد إلى آيات الشورى وسيرة النبي الأكرم (ص)، يثبت الكاتب أن مشاورة الناس والالتزام بنتائجها يعززان أسس شرعية الحكومة الدينية. تمثل هذه الدراسة خطوة مهمة في توضيح النظرية السياسية الشيعية والرد على التحديات المعاصرة في مجال الحكم الإسلامي.
الملخص
تعد الشورى من أهم المفاهيم في العلوم السياسية وفي التفسير السياسي الموضوعي للقرآن، وهي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمشاركة السياسية. وعلى هذا الأساس، فإن السؤال الرئيسي للبحث هو: ما طبيعة الشورى في القرآن، وما هو النهج الأمثل لفهمها؟ تقوم فرضية البحث على منهج التفسير الموضوعي، الذي يرى أن الشورى من المفاهيم التي يمكن استخراج المشاركة السياسية منها، كما أنها قابلة للتقييم في إطار المفاهيم الحديثة. وبناءً على هذا التقييم، يمكن القول إن الشورى من منظور قرآني هي مفهوم إمضائي يختلف عن المشورة، ويحمل في المجال السياسي العام نوعًا من الإلزام خاصة في عصر غيبة المعصوم. ومن هذا المنظور، تُعتبر الشورى ركنًا أساسيًا في نهج المشاركة السياسية المشروطة القصوى (التوكيلية).
إن النهج التوكيلي (المشروط القصوى) في فهم آيات الشورى وعلاقتها بالمشاركة السياسية، يقبل -في مرحلة اختيار القائد- النص والتعيين الإلهي، لكنه يعترف بدور للمشاركة السياسية الشعبية. فلا تُعتبر مشاورة الناس أو ممثليهم أمرًا زخرفيًا، بل هي ضرورة، كما أن الالتزام بنتيجة المشورة -بشكل عام- أمر حتمي. وبناءً عليه، في عصر الغيبة، تكون المشاركة السياسية العامة ومشاورة الناس ضرورية سواء في اختيار القيادة أو في عملية اتخاذ القرارات السياسية، بشرط مراعاة الشروط والسياقات المسبقة بشكل إلزامي. كما أن شرعية نشأة واستمرار الدولة الدينية ترتبط بهذا المبدأ.
الكلمات المفتاحية: الشورى، المشاركة السياسية، المشاركة السياسية المشروطة القصوى (التوكيلية)، التفسير السياسي الموضوعي للقرآن، الكلام السياسي، آيات الشورى.
1. المقدمة
تعد المشاركة السياسية من أهم المفاهيم في العلوم السياسية، كما تشكل أحد أكثر التحديات السياسية حساسية وإثارة للجدل على المستوى النظري والعملي في المجتمع الإيراني المعاصر. وقد قدمت في هذا الصدد رؤى متعددة تنبع من مناهل فكرية مختلفة. إن مناقشة المشاركة السياسية كأحد الدقائق المهمة والمفاصل الحساسة في هذا المنهج يتطلب تناولها من جوانب متعددة، وذلك لتمييز المنظور القرآني والإسلامي للمشاركة السياسية عن المناهج البديلة. وفي هذا السياق، يظل القرآن الكريم المصدر الرئيسي للإلهام. وعليه، فإن تحليل الآيات المتعلقة بالمشاركة السياسية وما يرتبط بها من مفاهيم فرعية يمكن أن يسهم في حل الإشكاليات النظرية والعملية.
من ناحية أخرى، يعد مفهوم “الشورى” من المصطلحات القرآنية بالغة الأهمية، وربما يكون الأكثر ارتباطًا بالمشاركة السياسية. فقد استُشهد بآيات الشورى على مدار التاريخ السياسي للمسلمين، كما خضعت للتحليل والتقدير، وكانت محلاً لتفسيرات متنوعة تهدف إما إلى توسيع أو تضييق نطاق المشاركة السياسية، سواء في الماضي أو في العصر الحديث. ففي بعض الفترات، تم اعتبارها مساوية للديمقراطية أو حتى متفوقة عليها، بينما رأى آخرون أنها تقليص للديمقراطية، أو ما أُطلق عليه “تعميد الديمقراطية”. على أي حال، يحتل مفهوم الشورى مكانة بارزة في أجهزة التحليل التفسيري للقرآن السياسي، والكلام السياسي، والفقه السياسي لدى كل من الشيعة والسنة، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمشاركة السياسية بغض النظر عن المنهج المتبع.
ترتبط المشاركة السياسية بنظريات مهمة مثل نظرية النخبوية(Elitism Theory) ونظرية التعددية(Pluralism Theory)، حيث تؤثر هذه النظريات في مدى المشاركة السياسية فتوسعها أو تضيقها. وبناءً على ذلك، توجد تعاريف متعددة للمشاركة السياسية (فيرحي، 1998: 44؛ مصفا، 1996: 9؛ باي، 1991؛ راش، 1998: 123). إلا أن التعريف المختار هنا للمشاركة السياسية هو: “المشاركة الفعالة والواعية – في الغالب – لأفراد المجتمع، سواء بشكل فردي أو جماعي، في المجال العام وعملية التأثير الاجتماعي وممارسة السلطة، وصنع القرار، واتخاذه، وتنفيذه، سواء بدور داعم أو رقابي أو تنافسي.” وبناءً على هذا التعريف، فإنه:
أولاً: يستثني معظم الأفعال غير الواعية.
ثانياً: يستبعد الأفعال السلبية. كما أن المشاركة السياسية المثالية من المنظور الديني هي النشاط الذي يراعي سعادة المجتمع المادية والمعنوية، دون اختزاله في بعد واحد، خاصة الجانب المادي. كما أن هذا البحث يركز على علاقات ممارسة السلطة في المجتمع وعلاقتها بالحكومة.
أما منهج المشاركة السياسية المشروطة القصوى (التوكيلية)، فيرى من جهة أن الفقيه نائب عن الإمام المعصوم (ع) وله ولاية (تفويض)، ومن جهة أخرى، فإن تحقق هذه الولاية وتمكين الفقيه من ممارسة سلطته الكاملة مشروط – من الناحية الشرعية – بدعم أفراد المجتمع (التوكيل). فإذا كان رأي الناس متوافقًا مع الدين وأحكام الشريعة، يصبح شرطًا لازماً. وفي هذه النظرية – خلافًا لنظرية أخرى – فإن للفقيه ولاية، ولكن تحقق هذه الولاية مشروط بقبول الناس ورضاهم ومشاركتهم كجزء من العلة.
وعليه، فإن السؤال الرئيسي للبحث هو: ما طبيعة الشورى في القرآن؟ وما هو المنهج الأمثل لفهمها؟ بينما فرضية البحثتقوم على أن الشورى – وفق المنهج الموضوعي في التفسير – من المفاهيم التي يمكن استنباط المشاركة السياسية منها، كما أنها قابلة للتقييم في إطار المفاهيم الحديثة. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن الشورى من المنظور القرآني مفهوم إمضائي يختلف عن المشورة، ويحمل في المجال السياسي العام نوعًا من الإلزام، خاصة في عصر غيبة المعصوم (ع). ومن هذا المنظور، تُعد الشورى ركنًا أساسيًا في منهج المشاركة السياسية المشروطة القصوى (التوكيلية).
2. الخلفية البحثية توجد دراسات محدودة حول المشاركة السياسية في القرآن والتفسير، مثل:
مقال “حق مشاركة المواطنين والحريات السياسية في القرآن الكريم“ (سيد باقري، 2018: 41-65)، الذي تتبع المشاركة السياسية ودورها في الحرية عبر ثلاث مراحل.
مقال “المشاركة السياسية في المدينة الفاضلة الإسلامية من منظور القرآن والروايات“ (يزداني، 2018: 48-73). كما توجد أجزاء في كتب مثل “الحكومة والسياسة في القرآن“ (قاضي زاده، 2007)، وبعض المؤلفات حول ولاية الفقيه أو الحكم الإسلامي، لكن الأبحاث المستقلة نادرة.
في السنوات الأخيرة، صدرت ثلاثة كتب ذات صلة وثيقة بموضوع البحث:
“المشاركة السياسية في الفقه السياسي الشيعي“ (إيزدهي، 2017)، وهو أول دراسة فقهية جادة في هذا المجال، حيث قدم وصفًا فقهيًا للمشاركة السياسية في إطار نظامي الحكم الشرعي وغير الشرعي.
“مؤشرات المشاركة السياسية في النموذج الإسلامي للتنمية“ (خلوصي، 2016).
“آليات الفقه السياسي الشيعي لتعزيز المشاركة السياسية“ (رحماني، 2015)، الذي ناقش نماذج وآليات المشاركة السياسية من منظور الفقه الشيعي.
أما فيما يخص الشورى وعلاقتها بمفاهيم مثل الديمقراطية، فهناك أعمال مثل:
“مفهوم الشورى في التجربة الإيرانية“ (مير أحمدي، 2015).
“الشورى والبيعة“ (بازرگان، 1999).
“الشورى والديمقراطية في الفكر السياسي الشيعي المعاصر“ (عطارزاده، 2014).
“الشورى بين النص والتجربة التاريخية“ (السيد، 2006).
“توفيق محمد الشاوي ونظرية الشورى العامة في الإسلام“ (فيرحي، 2009).
أما فيما يخص المشاركة السياسية التوكيلية (الولي-العامل)، التي تعكس ثنائية العلاقة بين البنية والعامل، فإن الأدبيات السابقة حولها محدودة وغير مركزة على الجانب القرآني (لك زايي، 2002: 135-160). وهذا البحث يتناولها بالتفصيل مع التركيز على المنهج القرآني، ويوضح مفهوم “المشاركة المشروطة القصوى” في إطارها.
3. منهجية البحث يعد هذا البحث من النوع المكتبي، ويعتمد على منهج التفسير الموضوعي الاجتهادي. وقد تعددت التعريفات المتعلقة بالتفسير الموضوعي، وهو من حيث طبيعته يندرج تحت التفسير الاجتهادي. حيث يرى السيد محمد باقر الصدر في توضيحه للتفسير الموضوعي أن المفسر في هذا المنهج لا يقوم بدراسة آيات القرآن آيةً آيةً بشكل تحليلي مجزأ، بل يسعى إلى تركيز أبحاثه حول موضوع من موضوعات الحياة، سواء كان أيديولوجيًا أو اجتماعيًا أو متعلقًا بالرؤية الكونية التي تناولها القرآن، فيقوم بتبيينه وتحليله ودراسته (الصدر، بدون تاريخ: 12). كما يؤيد السيد محمد باقر الحكيم (الحكيم، 1999: 368-363) رؤية أستاذه الشهيد الصدر. إلا أن معيار اشتراك الموضوعات في هذين التعريفين غير واضح.
في حين عرّفه آخرون بأنه: “العلم الذي يبحث في القضايا القرآنية المتّحدة من حيث المعنى أو الغاية، وذلك من خلال جمع الآيات المتفرقة والتأمل فيها بأسلوب خاص وشروط معينة، لبيان الآيات واستخراج عناصر القرآن وربط الآيات ببعضها البعض” (عبد الستار، 1997). كما وردت تعاريف أخرى متنوعة (السبحاني، 2006، ج1: 11؛ مسلم، 2000: 16).
أما محمد باقر معرفت، فيرى أن التفسير الموضوعي ضرورة، ويعتبر أن منهج التفسير الموضوعي هو الإجابة عن الأسئلة المطروحة، سواء كانت الأسئلة من داخل القرآن وإجابتها أيضًا من القرآن، أو كانت الأسئلة مستمدة من واقع الحياة واحتياجات المجتمع وإجابتها من القرآن. وهذا النوع الثاني هو الأسلوب الصحيح للاستنطاق، استنادًا إلى قول أمير المؤمنين (ع): “ذلك القرآن فاستنطقوه…” (نهج البلاغة، الخطبة 158). ويصنف معرفت التفسير الموضوعي إلى أربعة أنواع (مرويان، 2008).
أما التعريف المختار في هذا البحث للتفسير الموضوعي، بالاستناد إلى بعض الآراء (الجليلي، 1993: 170)، فهو: “جهد استنطاقي لفهم رأي القرآن المنهجي في ظل جمع قائم على نظرية للآيات المتعلقة بقضايا وموضوعات حية علمية ونظرية نابعة من المعارف البشرية، والتي تتحد من حيث المعنى أو الغاية، ويتوقع أن يكون للقرآن رأي صائب بشأنها.”
4. تمهيد للمنظور التحليلي لآيات الشورى 1-4. الفرق بين الشورى والمشورة من النقاط المفيدة في معالجة هذا الموضوع وعلاقته بالمشاركة السياسية هو التمييز بين “المشورة” و”الشورى”. فالمشورة تشمل قضايا أعم، سواء في المجال العام أو الخاص، بينما الشورى مفهوم يرتبط أساسًا بالمجال العام. فالآيات والروايات المتعلقة بالمشورة تركز في الغالب على الجانب الشخصي واتخاذ القرار الفردي، ولا يجوز مساواتها بالشورى. وهو ما أكده بعض المفكرين أيضًا (الشاوي، 1992: 7).
وتحمل العديد من الروايات حول المشورة نفس الطابع، مثل مشورة الإمام علي (ع) مع عبد الله بن عباس حول قبول الخلافة بعد مقتل عثمان سنة 35 هـ (الطبري، ج4: 406). أو قول الإمام علي (ع) لابن عباس: “عليك أن تبدي رأيك، وعلي أن أفكر. فإن خالفتُ رأيك فاطِعْني” (حكمة 321، نهج البلاغة). وهنا لا يتعلق الأمر بالشورى، بل بمشورة الحاكم مع مستشاره، وهو أمر منطقي.
ومن هذا القبيل الروايات التي تدل على المشورة ثم العزم الفردي، مثل حديث الإمام الرضا (ع): “إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَسْتَشِيرُ أَصْحَابَهُ ثُمَّ يَعْزِمُ عَلَى مَا يُرِيدُ” (البرقي، ج2: 601؛ وسائل الشيعة، ج12: 44). فهذه الروايات تدل على المشورة وليس الشورى، خاصةً أن بعضها يذكر “يُرِيدُ اللَّهُ”.
وكذلك وصية الإمام علي (ع) لابنه محمد بن الحنفية: “ضمّن آراء الآخرين بعضها إلى بعض، ثم اختر أقربها إلى الصواب وأبعدها عن الباطل والخطأ، فإنّ من يعتمد على رأيه وحده يكون عرضةً للخطر، ومن يستقبل آراء الآخرين يعرف مواطن الزلل” (الصدوق، 1992، ج4: 385؛ الفيض الكاشاني، 1985، ج26: 233؛ الحر العاملي، 1988، ج12: 46).
إلا أن هذه الروايات تؤكد أهمية المشورة الفردية وليس المؤسسية. ففي المشورة الفردية، القرار يعود للفرد، أما في المشورة المؤسسية، فالقرار جماعي لكن التنفيذ يكون عبر المسؤول الفرد. فالمشورة في جوهرها فعل فردي، حتى في العملية السياسية، حيث يستشير الحاكم بشكل فردي من يراه مناسبًا، والهدف هو الإحاطة بجوانب الموضوع ووضوح الرؤية لاتخاذ القرار. وهذا النوع يرتبط أيضًا بالمشاركة السياسية.
أما الشورى، فهي ليست فردية بل مؤسسة اجتماعية، ذات طبيعة عرفية تقوم على اتخاذ القرار الجماعي بشأن المصالح والحقوق المشتركة. فالشورى في جوهرها وممارستها العرفية والتاريخية تتجاوز مجرد المشورة. ففي المشورة، عادةً لا يكون الآخرون معنيين مباشرةً بالموضوع، أما في الشورى كمؤسسة اجتماعية، فإن المشاركين فيها يعتبرون معنيين مباشرةً.
لذا يبدو أن عبارة “وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ” في الآية الكريمة تشير في المقام الأول إلى مؤسسة الشورى والمشاركة العامة. وكذلك آية “وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ”، باعتبارها قضية حقيقية بغض النظر عن كونها مكية، لأن المقصود بـ”الأمر” هو الشؤون العامة والسياسية والاجتماعية. كما أن الخلفية المتعلقة بأحداث غزوة أحد واتخاذ طريقة مواجهة المشركين عبر الشورى تعزز هذا التفسير. وبالتالي، يمكن إثبات هذا التمييز حتى في ذلك العصر، رغم وجود اختلافات جوهرية في الآليات والآليات مقارنةً بالعصر الحالي.
وعليه، يمكن القول إن الشورى بشكل عام هي آلية لاتخاذ القرار الجماعي على أساس الأغلبية وفق ضوابط متفق عليها مسبقًا. وكان هذا هو الحال في العصور القديمة، بما في ذلك عصر الرسول (ص)، حيث كانت المشورة تارةً فردية وتارةً تجرى بين عموم المسلمين أو مجموعة مختارة، كما في دار الندوة أو سقيفة بني ساعدة. فمثلاً، قرار الخروج إلى غزوة أحد كان شورائياً. وفي بعض الحالات، يكون هذا التمييز واضحًا في عصر الرسول (ص) وبداية الإسلام، وفي حالات أخرى يكون غير واضح.
ومع أنه يمكن مناقشة تفاصيل الشورى كمؤسسة ودراسة سيناريوهاتها المختلفة وعلاقتها بالمشاركة السياسية، إلا أن أصل كون الشورى مؤسسة يبدو ثابتًا.
4-2. الشورى: مفهوم إمضائي لا تأسيسي
النقطة الأخرى الجديرة بالذكر هي أن ممارسة المشورة ومن ثم الشورى في الشؤون السياسية والحكومية كانت سارية المفعول منذ القدم في مختلف المجتمعات. وكان هذا الأمر حاضراً أيضاً في مجتمع مكة والمدينة. ففي مكة تحديداً، قام قصي بن كلاب، الجد الرابع لرسول الله (ص)، بعد حصوله على الزعامة والسيادة، بتأسيس مكان للمشورة بينه وبين الناس وبينهم وبينه. وهي ممارسة كانت سائدة أيضاً بين القبائل والمدن الأخرى. وبالتالي، فإن الفعل السياسي للنبي (ص) يستند إلى سيرة العقلاء وأسلوب الحياة الاجتماعية الذي أقره الله تعالى، والذي يشكل الأحكام الإمضائية.
من هذا المنظور، تمتعت الشورى بتاريخ طويل في قبائل ومدن الجزيرة العربية بما فيها مكة. وبناءً على ذلك، ربما كان أهم إجراء اتخذه قصي في مكة هو تأسيس دار الندوة التي نظمت المناصب السياسية والشؤون الاجتماعية. وكان المشاركون في دار الندوة محصورين بأبناء قصي وأتباعه من قريش. حيث كان يجتمع أعيان مكة في دار الندوة، وكان هذا المجلس يضم مجموعة من شيوخ وأشراف قريش الذين لم يكن يُسمح لمن تقل أعمارهم عن الأربعين بالانضمام إليهم. وكان اختيارهم يعتمد على الثروة والخدمات التي قدموها أو على مكانة أسلافهم، بحيث كان بإمكان أبناء قصي حضور المجلس حتى لو لم يبلغوا الأربعين من العمر (الأزرقي، 1989: 88). أما غير أبناء قصي من أفراد قريش الآخرين، فلم يكن مسموحاً لهم بالحضور إلا إذا بلغوا الأربعين. كانت دار الندوة مكاناً للنقاش واتخاذ القرارات بشأن الشؤون السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية في مكة. ويمكن اعتبار القرارات التالية من بين القرارات المصيرية التي اتخذت في دار الندوة:
قرار قريش بقتل النبي (ص) الذي أدى إلى هجرته في ليلة المبيت (ابن هشام، ج2: 124؛ ابن سعد، ج1: 193-194).
وعليه، فإن الشورى كانت مؤسسة إمضائية ذات جذور عميقة بين شعوب مكة والمدينة ومعظم الأمم في ذلك العصر، مع مراعاة الفروق الخاصة بينها. وكانت تقوم على قواعد كان فيها دور القائد والزعيم بارزاً، لكن القرار في النهاية كان جماعياً. وهذا الأمر يعزز ارتباطها بمسألة المشاركة السياسية.
5. الاستدلال بإطلاق آية سورة الشورى (38)
يقتضي الاستدلال بالآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (الشورى: 38) في سياق المشاركة السياسية إثبات عدة أمور، منها أن الآية تشمل الشؤون الحكومية الكبرى. فالآية تدل بصراحة على الإنشاء بصيغة الخبر، ولا يوجد معارض يمنع دلالتها على ذلك. كما أن المستشارين في هذا السياق هم عموم الأمة الإسلامية أو نخبها.
فيما يتعلق بآيات المشورة، فإن منهجنا في المشاركة السياسية المشروطة القصوى (التوكيلية) يقوم على أنه يمكن – بل يجب – التمييز بين عصر حضور المعصوم وعصر غيبته، حيث يخرج العصر الأخير من عموم وإطلاق المشورة. ففي اختيار القائد وتعيينه خلال عصر الحضور، تخرجه النصوص القطعية من دائرة الرأي الأغلبي والاختيار الشعبي، وهو أمر خارج عن نطاق بحثنا الحالي ويفترض كمسلمة مسبقة. أما في ممارسة الحكم، فنحن نتبنى تفصيلاً سنتناوله في موضعه.
ومن المهم الإشارة إلى أننا لا ننفي أهمية الإدارة الفردية، بل نؤكد على ضرورة إعطاء وزن كاف للمشاركة السياسية والعامة للنخب والجماهير.
تتناول الآية 38 من سورة الشورى صفات المؤمنين، حيث تذكر متطلبات الإيمان ونتائجه، فتضع المشورة إلى جانب إجابة الرب، وإقامة الصلاة، والإنفاق من المال. اختلف المفسرون في الدلالة الفقهية للآية، فمنهم من لم ير فيها وجوب المشورة، بينما رأى آخرون عكس ذلك. وبغض النظر عن الجدل الفقهي، فإن لغة الآية تحمل طابع الإلزام والضرورة في الخطاب القرآني. وكلمة “أمرهم” في الآية تشمل جميع الشؤون الشخصية والاجتماعية.
هناك رأيان رئيسيان حول هذه الآية:
رأي يرى أنها لا تتعلق بالشؤون الحكومية، ولا تدل مباشرة على القضايا الاجتماعية والسياسية. ويبدو أن هذه الآية – خلافاً لآية آل عمران 159 – تؤكد في المقام الأول أهمية المشورة في الحياة الفردية والاجتماعية للمؤمنين، دون أن تحمل دلالة محددة على مؤسسة الشورى السياسية أو الاجتماعية، وإن كانت تشملها تبعاً.
الرأي الآخر يرى أن الآية تتناول القضايا السياسية، وتتحدث عن الحياة الاجتماعية للمؤمنين.
على أي حال، لا شك في دخول القضايا الاجتماعية والسياسية وأساليب إدارتها في حكم الدولة الإسلامية أو المؤمنين، حيث تشملها الآية بكلا التفسيرين.
ثمة نقاش آخر حول ما إذا كانت الآية تنطبق موضوعياً على المعصوم أم أنها مجرد وسيلة. وحتى لو كانت المشورة مجرد وسيلة، فإن ذلك لا ينتقص من وجوب المشاركة السياسية، بل يعززه، لأنه إذا كان المعصوم – مع عدم حاجته للمشورة – يلتزم بها، فمن الأولى أن يلتزم بها غير المعصوم.
ويُعترض على الآية بأنها نزلت في مكة حيث لم تكن هناك قضايا اجتماعية أو سياسية. والجواب أن الآية – وإن كانت مكية على الأرجح – فإن مدلول “وأمرهم شورى بينهم” ليس قضية خارجية بل حقيقية، أي أنها تعبر عن حقيقة عامة وكلية دون سبب نزول خاص. كما أن دعوة النبي في مكة كانت تحمل أبعاداً سياسية واجتماعية إلى جانب الشؤون الشخصية. وبالتالي، فإن الآية وإن لم تدل ظاهراً على الشؤون السياسية، فإنها تحمل دلالة التزامية وعامة. ويجدر الإشارة إلى أن بعض المفسرين يعتبرون هذه الآية مدنية (الطباطبائي، 1970، ج18: 6).
الاحتجاج بالآية في وجوب الشورى أو عدمه: المسألة الأولى في علاقة المشاركة السياسية هي كيفية الاحتجاج بالشورى في عصر الحضور والغيبة – هل هي إلزامية أم غير إلزامية؟ يرى منهج المشاركة التوكيلية ورهان البحث أن تشكيل الشورى ضروري في كلا العصرين، معتبراً أن لغة الآية لغة إلزام، بمعنى أن الآية تدعو إلى جعل الشورى منهجاً للمؤمنين في الشؤون السياسية، وإن اختلفت تفاصيلها. وهذا ما تؤيده بعض التفاسير، وإن اختلفت حول وجوب اتباع رأي الشورى للمعصوم، إلا أنها أجمعت على وجوب الرجوع إليها.
فمثلاً، يرى تفسير “أحسن الحديث” أن جملة “وأمرهم شورى بينهم” تدل على موضوعية الشورى في الإسلام (القرشي، ج9: 498). فالحاكم لا يجوز له الاستبداد، بل عليه الرجوع إلى أهل الرأي والخبرة، والاستماع إلى آرائهم لتقليل احتمال الخطأ، لكن القرار النهائي له. ولا يمنع وجوب طاعة أولي الأمر من لجوئهم إلى الشورى في إصدار الأوامر. يمكن القول إن الشورى قاعدة أساسية في جميع شؤون المسلمين، إلا إذا وجد دليل خاص، لأن كلمة “أمرهم” – حتى لو لم تحمل عمومية أو إطلاقاً – تظهر في سياقها العموم. وهذا ما يؤكده تفسير “من وحي القرآن” (نفس المصدر: 191-192).
من دراسة القرآن وسيرة النبي والمعصومين، يتضح أن المشورة منهج مستمر للمؤمنين. فالنبي – مع كونه العقل الكلي والمتصل بالوحي – كان يشاور أصحابه في مختلف القضايا الاجتماعية والتنفيذية، في الحرب والسلم وغيرها من الأمور المهمة. في هذا السياق، يمكن استخلاص ثلاث نظريات حول الشورى:
النظرية الأولى: ترى أن الشورى حق.
النظرية الثانية: ترى أنها واجب.
النظرية الثالثة: تجمع بينهما، وهي الأقوى، حيث ترى أن على الحاكم الشرعي – حتى لو كان فقيهاً عادلاً – أن يشاور الآخرين قبل اتخاذ القرار، كما يشير تفسير “الهدى” (تفسير الهدى، ج12: 365).
في هذا الإطار، تؤكد بعض التفاسير في عصر الغيبة ليس فقط على ضرورة الشورى، بل على وجوبها وحصرها في إدارة المجتمع، بحيث تتكون من نخبة من العلماء العابدين الأتقياء في الأمور التي تحير المجتمع أو تختلف فيها الآراء، سواء كانت شخصية أو اجتماعية أو سياسية. لأن المؤمن غير المعصوم – أيًا كان – ليس مطلق العلم والمعرفة، بل يحتاج إلى الشورى. وإن كان حصر القرار بالشورى قد لا يكون دقيقاً، إلا أنه ضروري على المستوى الكلي وفي إشراك المجتمع.
كما يرى بعض المفسرين وجوب الشورى حتى على النبي في غير شؤون الوحي والأمر الإلهي، حيث يقولون: “إن النبي – مع أنه كان يوحى إليه – لم يكن بمنأى عن هذه الحاجة الطبيعية. فما كان خارج نطاق الوحي، كان يعالجه بالمشورة كسائر الناس، لأن استخدام أفكار الآخرين وأعمالهم من ضرورات الحياة” (العاملي، ج2: 257).
كذلك، يرى مفسرو وفقهاء أهل السنة وجوب الشورى. ففي علماء السلف، كان الحسن البصري وسفيان الثوري يريان وجوب رجوع النبي إلى الشورى (ابن عاشور، ج3: 269). أما المالكية فيرونها واجبة بالكلية (نفس المصدر: 268)، والشافعية – وإن كان الشافعي نفسه يرى استحبابها – إلا أن كثيراً من علمائهم يرون وجوبها (نفس المصدر: 268-269). وفي الحنفية، وإن لم يكن الأمر واضحاً تماماً، إلا أن استخدام كلمة “مأمور” يوحي بالإلزام، حيث فهم الجصاص منها الوجوب.
على أي حال، فإن المشورة للحاكم – وفقاً لمضمون الآية ولغة القرآن – تحمل معنى الإلزام. ومن الناحية الفقهية، فهي على الأقل مستحبة مؤكدة، وعلى الأكثر واجبة. وإذا لم يُقبل الرأي الثاني، فإن الأول يعزز بقوة نطاق المشاركة السياسية.
6. الاستدلال بمضمون آية آل عمران (159)
تعتبر الآية الكريمة: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: 159) من أهم الآيات في منظومة الشورى وعلاقتها بالمشاركة السياسية. نزلت هذه الآية بعد معركة أحد، حيث يذكر الطبري في شأن نزولها أن النبي (ص) عندما علم بنزول قريش عند سفح جبل أحد، استشار أصحابه في كيفية التصرف. فاقترح بعضهم الخروج لمواجهتهم، بينما رأى الأنصار البقاء في المدينة للدفاع. وبعد مشورة عبدالله بن أبي سلول، الذي حث النبي على عدم حرمانهم من الجنة، خرج النبي (ص) إلى أحد رغم ميله الأولي للبقاء (الطبري، 1987، ج2: 60).
رغم النتائج المؤسفة لأحد التي قد توحي بعدم صحة اتباع نتائج الشورى، تؤكد الآية على استمرار سيرة النبي في التشاور مع الناس ومشاركتهم في القرارات السياسية حتى لو ترتبت عليها آثار سلبية. ويقتضي الاستدلال بهذه الآية الإجابة عن عدة أسئلة: هل يشمل “الأمر” وسائل الحرب فقط أم يتعداها؟ هل يدل “وشاورهم” على الوجوب أم الاستحباب؟ هل الخطاب خاص بالنبي (ص) أم يتعداه؟ تختلف الآراء في التفاسير حول هذه النقاط.
أولاً: عمومية “الأمر” وشموليته من الناحية اللغوية، فإن “الأمر” في الآية يعم جميع الشؤون السياسية والاجتماعية، حيث أن الألف واللام في “الأمر” للجنس وليس للعهد. كما أن العرف السائد في ذلك الوقت كان يشمل جميع القضايا الاجتماعية وليس الحرب فقط. وقد أيد معظم المفسرين هذا العموم، بما في ذلك ابن عاشور من المفسرين المعاصرين لأهل السنة، الذي رأى أن النبي (ص) مأمور بالشورى (ابن عاشور، ج3: 268).
ثانياً: وجوب العمل برأي الشورى النقطة المحورية هنا هي مدى وجوب اتباع رأي الشورى ونتائج المشاركة السياسية. يرى منهج المشاركة التوكيلية أن العمل بنتائج الشورى واجب في القضايا الكبرى، خاصة في عصر الغيبة حيث لا يوجد مانع شرعي. فالعبارة “فَإِذَا عَزَمْتَ” تدل على عزم النبي أو القائد الديني على تنفيذ قرار الشورى بعد المشورة. ويمكن اعتبار “عزمت” متعدية لمحذوف مثل “عَزَمْتَ عَلَى رَأْيِكَ” أو “عَزَمْتَ عَلَى تَنْفِيذِ رَأْيِ الشُّورَى”. وحيث أن مخالفة رأي الأغلبية في الشورى يناقض غرضها، فإن الآية تفيد وجوب العمل بنتائجها. وإن اختلفت التفاصيل والسيناريوهات، فإن الوجوب يشمل على الأقل حالات الإجماع أو الأغلبية الساحقة التي تقنع حتى المعصوم.
هناك من يرى أن مشورة النبي (ص) مع الأمة واجبة، لكن القرار النهائي له، مستدلين بعبارة “فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ” على اختصاصه باتخاذ القرار. وهؤلاء يمتدون بهذا الرأي إلى عصر الغيبة أيضاً. فمثلاً، يرى تفسير “مفاهيم القرآن” أن الخطاب موجه للحاكم القائم، الذي يؤمر بالمشورة والاستفادة منها، دون أن تفيد الآية وجوب اتباع رأي الشورى، بل يبقى القرار النهائي بيده.
هذا الرأي يقوم على افتراضات لاحقة مثل عصمة الإمام وعلمه، حيث يرى أن شورى المعصوم لم تكن حقيقية بل لها أغراض أخرى مثل:
إعطاء الشخصية للأمة.
الاستفادة من تأييد الناس.
تبرير القرار للمستشارين.
إعداد الناس للمشاركة.
تنمية قدراتهم الفكرية.
اكتشاف الطاقات.
نقد هذا الرأي:
العصمة والعلم بالتفاصيل: مسألة علم المعصوم بكل التفاصيل الدقيقة محل خلاف. ففي غزوة بدر، قبل النبي (ص) نصيحة الحباب بن المنذر بتغيير موقع المعسكر (ابن سعد، 1990، ج3: 427؛ ابن خلدون، 1987: 412؛ الطبري، 1967، ج3: 960). كما أن عدم علم النبي (ص) أولاً ببعير ضائع في غزوة تبوك (المجلسي، ج18: 109؛ المغازي، ج3: 1010؛ السيرة النبوية لابن هشام، ج4: 523؛ الصحیح من سیرة النبي، ج10) يدل على أن الأمور اليومية تجري بالطرق العادية إلا إذا أراد الله غير ذلك.
علاقة “عزمت” بالمشورة: “فَإِذَا عَزَمْتَ” تفريع على “شَاوِرْهُمْ”، مما يعني العزم على تنفيذ قرار الشورى، خاصة عندما يقنع المعصوم. وعادةً، إذا تشكلت الشورى بأمر المعصوم وأعطت أغلبية رأياً، فهذا يعني قبوله مسبقاً وإقناعه لاحقاً.
اختلاف الضمائر: استخدام ضمير الجمع في “شَاوِرْهُمْ” وضمير المفرد في “عَزَمْتَ” لا يعني قراراً فردياً منفصلاً عن الشورى، بل لأن القيادة والتنفيذ من اختصاص القائد (معصوماً كان أم لا)، فهو الذي يصدر القرار النهائي وينفذه.
خلاصة الرأي البحثي: حتى لو تجاهلنا هذه النقاط الفنية، فإن الآية تؤكد على أهمية المشاركة السياسية القصوى، حيث يظهر أن النبي (ص) – رغم اتصاله بالوحي – كان ملتزماً بالشورى والمشاركة الشعبية في أمور الناس، ويعمل بالظاهر. وهذا ما تؤكده النصوص القرآنية. فبعض وجوه الآية تؤكد وجوب العمل بنتيجة المشورة، وبعضها يظهر أن عدم العمل بها يناقض الغرض. وعلى أي حال، حتى لو كان هناك تردد في عصر الحضور، فلا شك في وجوبها في عصر الغيبة.
أدلة أخرى:
بعض التفاسير مثل “تسنيم” (جوادي آملي، 2009، ج16: 134) ترى أن المشورة واجبة في الأمور الكبرى لأن “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”.
تفسير “من وحي القرآن” (فضل الله، ج6: 344-347) يرى وجوب المشورة ووجوب العمل بنتائجها إذا أقنعت المعصوم، وهو رأي معقول يتخذه البحث كرأي نهائي.
الحديث النبوي والإمامي:
روي عن النبي (ص): “إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها. وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، ولم يكن أمركم شورى بينكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها” (الترمذي، ج3: 361؛ تحف العقول: 36).
عن الإمام الرضا (ع): “إن رسول الله كان يستشير أصحابه ثم يعزم على ما يريد الله” (البرقي، ج2: 601). والتاريخ يثبت أن النبي (ص) لم يخالف رأي الأغلبية في الشورى أبداً، مما يعني أن “ما يريد الله” هو تنفيذ قرار الشورى المقنع.
الخلاصة: تظهر الآية – بسياقها – وجوب الشورى على الأقل من حيث اللغة القرآنية، حيث أن تجنب الإثم وإقامة الصلاة من الواجبات، والإنفاق والتوكل لهما مصاديق واجبة. كما أن بعض المفسرين يرون أن الآية تشير إلى ثلاثة واجبات: عبادي (الصلاة)، واقتصادي (الزكاة والإنفاق)، وسياسي (الشورى) (قاضي زاده، ص283). وهذا صحيح لأن الكلام صادر عن الله في صفات المؤمنين، مما يحول الخبر إلى إنشاء في مقام الإخبار.
7. الاستدلال بمضمون آية آل عمران (159)
تعتبر الآية الكريمة: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: 159) من أهم الآيات في منظومة الشورى وعلاقتها بالمشاركة السياسية. نزلت هذه الآية بعد معركة أحد، حيث يذكر الطبري في شأن نزولها أن النبي (ص) عندما علم بنزول قريش عند سفح جبل أحد، استشار أصحابه في كيفية التصرف. فاقترح بعضهم الخروج لمواجهتهم، بينما رأى الأنصار البقاء في المدينة للدفاع. وبعد مشورة عبدالله بن أبي سلول، الذي حث النبي على عدم حرمانهم من الجنة، خرج النبي (ص) إلى أحد رغم ميله الأولي للبقاء (الطبري، 1408هـ، ج2: 60).
أولاً: دلالة الآية على وجوب الشورى رغم النتائج المؤسفة لأحد التي قد توحي بعدم صحة اتباع نتائج الشورى، تؤكد الآية على استمرار سيرة النبي في التشاور مع الناس ومشاركتهم في القرارات السياسية حتى لو ترتبت عليها آثار سلبية. ويقتضي الاستدلال بهذه الآية الإجابة عن عدة أسئلة:
عمومية “الأمر“: تشمل جميع الشؤون السياسية والاجتماعية، وليس فقط أمور الحرب. وهذا ما تؤيده اللغة (أل التعريف للجنس) والعرف السائد وأغلب التفاسير.
خطاب الآية: لا يختص بالنبي (ص)، بل يعم جميع الحكام، كما يرى ابن عاشور في “التحرير والتنوير” (ج3: 268).
ثانياً: وجوب العمل برأي الشورى يرى منهج المشاركة التوكيلية أن العمل بنتائج الشورى واجب في القضايا الكبرى، خاصة في عصر الغيبة. فالعبارة “فَإِذَا عَزَمْتَ” تدل على عزم القائد على تنفيذ قرار الشورى بعد المشورة. ويؤيد هذا أن مخالفة رأي الأغلبية يناقض غرض الشورى.
نقد الرأي المخالف: بعض التفاسير مثل “مفاهيم القرآن” ترى أن القرار النهائي بيد الحاكم، مستندين إلى:
عصمة النبي (ص) وعلمه، مما يجعل شوراه شكلية لأغراض أخرى كتنمية الشخصية العامة.
لكن هذا الرأي يتجاهل أن:
العصمة لا تعني العلم بكل التفاصيل (كما في غزوة بدر حيث قبل النبي مشورة الحباب بن المنذر بتغيير الموقع – ابن سعد، 1410هـ، ج3: 427).
“فَإِذَا عَزَمْتَ” تفريع على المشورة، مما يفيد وجوب التنفيذ بعد الاقتناع.
اختلاف الضمائر (“شَاوِرْهُمْ” جمع، “عَزَمْتَ” مفرد) يعود لاختصاص القائد بالتنفيذ لا باتخاذ قرار منفصل.
النتيجة البحثية:
الآية – بسياقها – تدل على وجوب الشورى كحد أدنى في الخطاب القرآني، حيث تقترن بالواجبات الأخرى (الصلاة، الإنفاق).
في عصر الغيبة، تصبح الشورى واجبة لأن “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”، كما يرى تفسير “تسنيم” (جوادي آملي، 1388هـ، ج16: 134).
يمكن الجمع بين وجوب المشورة ووجوب العمل بنتائجها إذا أقنعت القائد، كما في تفسير “من وحي القرآن” (فضل الله، ج6: 344-347).
الشواهد الحديثية:
حديث النبي (ص): “إذا كان أمراؤكم خياركم… وأمركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من بطنها” (الترمذي، ج3: 361).
عن الإمام الرضا (ع): “إن رسول الله كان يستشير أصحابه ثم يعزم على ما يريد الله” (البرقي، ج2: 601)، حيث “يريد الله” تعني تنفيذ قرار الشورى المقنع، كما يثبت التاريخ.
الرد على الاعتراضات:
السياق الاستحبابي: لا قرينة على استحباب “شَاوِرْهُمْ”، بل الأمر ظاهر في الوجوب.
توهم الحظر: لا يصح فصل الآية عن سيرة النبي المستمرة في التشاور، والتي تؤكد الوجوب.
تؤكد الآية – مع القرائن التاريخية والحديثية – على أن الشورى أساس الحكم الإسلامي، خاصة في عصر الغيبة، حيث تصبح المشاركة السياسية ضرورة شرعية لضمان استمرارية النظام الإسلامي.
8. سيرة المعصومين في الأخذ بالشورى والمشورة في المشاركة السياسية
تكملةً لبحث الشورى وعلاقتها بالمشاركة السياسية، وبما أن منهج البحث هو التفسير الموضوعي الشمولي، نستعرض سيرة المعصومين (ع) وخاصة النبي الأكرم (ص) في هذا المجال. فقد كانت سيرة النبي (ص) الدائمة والمستمرة هي التشاور مع الناس، وسنذكر بإيجاز نماذج من مشوراته التي تارةً كانت فردية وأخرى جماعية أو عبر مجلس شورى، دون تفصيل زائد. ومن الطبيعي أن التشاور مع جمهور المسلمين يعتبر شورى مؤسسية، بينما التشاور الفردي أو مع مجموعة مختارة يعد مشورة مع مستشارين.
أولاً: مشورات النبي (ص) في غزوة بدر
مشورة الخروج للقتال: رغم ميل النبي (ص) للخروج، استشار أصحابه. فعارض أبو بكر وعمر الخروج أولاً، ثم تحدث المقداد بن عمرو مؤيداً القتال، وأخيراً استشار الأنصار عبر سعد بن معاذ الذي أكد تأييدهم الكامل. فقرر النبي (ص) الخروج بناءً على هذه المشورة الجماعية (الواقدي، 1409هـ، ج1:47؛ الطبري، ج2:140،189).
ملاحظة تفسيرية: قد يُستشهد بآيات سورة الأنفال (خاصة الآية 5) التي تُنسب قرار الخروج إلى الله. ولكن:
النصوص التاريخية لا تذكر أن النبي (ص) أبلغ الصحابة بأمر إلهي قبل المشورة.
الآيات تتحدث عن مرحلة لاحقة بعد المعركة وليس عن قرار الخروج.
هذا لا ينفي أن إرادة الله تحققت عبر آلية الشورى.
اختيار موقع المعركة: عندما نزل المسلمون قرب آبار بدر، استشارهم النبي (ص) في الموقع، فاقترح حباب بن المنذر التقدم إلى أقرب بئر وتخريب البقية، فوافق النبي (ص) على رأيه (ابن هشام، 1418هـ، ج2:258؛ الطبري، 1408هـ، ج2:20).
مصير أسرى بدر: شاور النبي (ص) كبار الصحابة جماعياً، فوافقوا على أخذ الفدية، ونفذ النبي (ص) هذا القرار (الواقدي، ج3:926).
ثانياً: غزوة أحد شكل النبي (ص) مجلس شورى لبحث مواجهة قريش. اقترح عبدالله بن أبي الدفاع داخل المدينة، بينما عارض الشباب هذا الرأي. ورغم اقتناع النبي (ص) بالرأي الأول، إلا أنه أخذ برأي الأغلبية (الواقدي، ج1:211).
ثالثاً: غزوة الأحزاب (الخندق)
حفر الخندق: بعد مشاورات، اقترح سلمان الفارسي حفر خندق حول المدينة، فوافق الجميع على هذا الرأي (الطبري، ج2:224؛ الواقدي، ج1:444).
رفض شروط القبائل: استشار النبي (ص) كبار الصحابة في قبول عرض بعض القبائل بالمشاركة في القتال مقابل ثلث ثمار المدينة، فرفض بعد المشورة.
نماذج أخرى من الشورى النبوية:
مشاوراته في بني قريظة وبني النضير (البيهقي، ج9:218).
صلح الحديبية (تفسير ابن كثير، ج1:220).
غزوة الطائف (الحلبي، ج3:161).
غزوة تبوك (فتح الباري، 10/82-83).
تُظهر هذه النماذج أن النبي (ص) جعل الشورى منهجاً ثابتاً في القرارات السياسية والعسكرية الكبرى، سواء عبر مشاورات فردية أو جماعية أو مجالس شورى مؤسسية. وهذا يؤكد أن المشاركة السياسية في الإسلام ليست مجرد حق، بل هي ضرورة شرعية لتحقيق شرعية الحكم واستقرار النظام السياسي، خاصة في عصر الغيبة حيث تتعاظم الحاجة إلى هذا النهج.
الشورى في القرآن ليست مجرد توصية أخلاقية، بل هي واجب سياسي يفرض المشاركة القصوى للشعب في الحكم الديني. في عصر الغيبة، تصبح المشورة وقبول الرأي العام شرطاً لشرعية النظام الإسلامي وفعاليته.
References:
The Holy Quran
Nahj al-Balagha
Ibn Habib, Muhammad. Kitab al-Munammaq fi Akhbar Quraysh. Edited by Khurshid Ahmad Faruq. Hyderabad: Da’irat al-Ma’arif al-‘Uthmaniyya, 1964.
Ibn Manzur, Muhammad. Lisan al-‘Arab. Beirut: Dar Ihya’ al-Turath al-‘Arabi, 1405 AH.
Ibn Hisham, Abd al-Malik. Al-Sira al-Nabawiyya. 6th ed. Beirut: Dar al-Kutub al-‘Ilmiyya, 1418 AH.
Araki, Mohsen. “The Position of Shura in Selecting an Islamic Ruler.” Islamic Government Quarterly 14, no. 2 (Summer 2009).
Arasta, Mohammad Javad, and Hussein Sheikh al-Molouk. “Rational Arguments for the Necessity of Consultation in Islamic Government with an Approach to Imam Khomeini’s Practice.” Matin Research Journal 18, no. 73 (Winter 2016).
Arasta, Mohammad Javad. “Attention to Public Opinion in Imam Ali’s View.” Islamic Government Quarterly 17 (Autumn 2000).
Arasta, Mohammad Javad. “People and the Establishment of Islamic Government.” Islamic Revolution Studies 2 (Autumn 2005).
Azraqi, Abu al-Walid Muhammad. Akhbar Makka wa ma Ja’a fiha min al-Athar. Edited by Rushdi al-Salih Malhas. Translated and annotated by Mahmoud Mahdavi Damghani. Tehran: Bunyad, 1989.
Izdehi, Seyed Sajjad. Political Participation in Shiite Political Jurisprudence. Tehran: Islamic Culture and Thought Research Institute, 2017.
Bazargan, Abdolali. Shura and Bay’ah: Divine Sovereignty in People’s Government. Tehran: Sahami Enteshar, 1999.
Pye, Lucian. Political Culture and Political Development. Translated by Majid Mohammadi. Nameh Farhang 5-6 (Fall and Winter 1991).
Khalousi, Mohammad Hussein. Indicators of Political Participation in the Islamic Model of Progress. Qom: Imam Khomeini Educational and Research Institute, 2016.
Rush, Michael. Society and Politics. Translated by Manouchehr Sabouri. Tehran: SAMT, 2004.
Ragheb Isfahani, Hussein ibn Muhammad. Al-Mufradat fi Gharib al-Quran. Qom: Daftar-e Nashr, 1404 AH.
Rahmani, Naser Ali. Strategies of Shiite Political Jurisprudence for Expanding Political Participation. Qom: Al-Mustafa Publications, 2015.
Sobhani, Ja’far. Mafahim al-Quran. Qom: Imam Sadiq Institute, 2006.
Al-Sayyid, Radwan. “Shura: Between Text and Historical Experience.” Translated by Majid Moradi. Political Sciences Journal 36 (Winter 2006): 199-216.
Seyyed Bagheri, Seyyed Kazem. “The Right to Political Participation and Political Freedom with Emphasis on the Quran.” Islamic Political Research 6, no. 14 (Fall and Winter 2018): 41-65.