Main content starts here
الطبيعة الفلسفية للاستدلال بآيات الخلق في المنظومة اللاهوتية للقرآن المجيد

الطبيعة الفلسفية للاستدلال بآيات الخلق في المنظومة اللاهوتية للقرآن المجيد

"آيات الخلق ليست مجرد أدلة على وجود الله، بل هي نوافذ تفتح أمامنا آفاقًا أعمق لفهم حكمته ورحمته وتدبيره، المتجلية في كل ركن من أركان الكون، من السماوات المترامية إلى الذرات الخفية."

حسین کامکار

Go to content
Abstract

في عصرٍ تُحاصر فيه الخطابات الفلسفية واللاهوتية أحيانًا بأُطر استدلالية قياسية وجافة، تقدم هذه المقالة رؤيةً جديدة للاستدلال بآيات الخلق في القرآن الكريم، مسلطةً الضوء على طبيعتها غير القياسية وشبهها بالمناهج العلمية مثل الاستدلال بأفضل تفسير (IBE). يُظهر الكاتب كيف يُقدم القرآن الإيمان ليس كنتيجة لمقولات مجردة، بل ثمرةً لمواجهة حية وتجريبية مع العالم. هذه الرؤية لا تجيب فقط على انتقادات موجهة للبراهين الكلاسيكية، بل تُرسي أيضًا جسرًا متينًا بين العقلانية والتجربة والحدس الديني. قراءة هذه المقالة ضرورية لكل من يهتم بمواءمة العلم الحديث مع اللاهوت القرآني.

الملخص

يُعد الاستدلال بآيات الخلق أحد أهم الأساليب الحجاجية في الخطاب اللاهوتي القرآني. اختزال هذه الحجج غير القياسية إلى حجج قياسية يُفقدها قيمتها المعرفية ويُشوّه فهم جمهورها. طبيعة الاستدلال بالآيات تشبه طبيعة الحجج العلمية القائمة على الاستدلال بأفضل تفسير (IBE) أو الحجج الافتراضية (Abductive) أو غيرها من الأساليب غير القياسية. تنويع آيات الخلق (تصريف الآيات) بتركيبتها التراكمية يمكن أن يؤدي إلى الإيمان والعلم واليقين، كما يمكن أن يكشف عن ضروريات ميتافيزيقية بشكلٍ لاحقٍ للتجربة، دون أن يعني الاعتماد على التجربة اختزال المقولات اللاهوتية إلى قضايا قابلة للتكذيب. لا ينبغي اختزال الاستدلال بالآيات إلى ما يُسمى بـ”برهان النظم”، فهما يختلفان في المنهج والنتيجة. جمهور هذا الاستدلال ليس عامة الناس فحسب، بل العقلاء وأهل الفكر (أولي الألباب). الإيمان الإسلامي يتطلب حتى من يعتمدون البراهين القياسية القبلية في اللاهوت أن يفهموا دلالات الآيات على المضامين اللاهوتية وأن يدركوا عمق إشارات ربهم.

الكلمات المفتاحية: الإبستمولوجيا الدينية، فلسفة الدين، آيات الخلق، الحجج غير القياسية، الحجج الافتراضية، اللاهوت القرآني، برهان النظم.

1. المقدمة

تتنوع المناهج والنماذج الفكرية بين المدارس الفلسفية في اكتشاف وتبرير المقولات اللاهوتية حول الخالق والمعاد. وفي هذا السياق، يكتسب فهم المنهج القرآني في اللاهوت أهمية بالغة للفكر الإسلامي. أحد أهم الأساليب المعرفية في القرآن هو الاستناد إلى آيات الخلق، حيث يزخر القرآن بالإشارة إلى هذه الآيات واستخلاص دلالاتها حول المبدأ والمعاد. من إنبات النبات إلى هبوب الرياح، ومن السفن الجارية على الماء إلى الأرض الميتة التي تحيا بالمطر، ومن النطفة التي تتشكل في الرحم إلى الطفل الذي يولد في أوانه — كلها تحمل دلالاتٍ لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. يمكن اعتبار اكتشاف دلالات الآيات والتأمل في ظواهر الخلق من أهم “التجارب الدينية” التي يتوقع القرآن من المسلم (بل من أي إنسان) أن يخوضها.

في هذه المقالة، سنستكشف المكانة الفلسفية والقيمة المعرفية لهذا النوع من الاستدلال. هذا التحليل مهم من وجهتين:

  1. المنظور الإبستمولوجي: حيث إن الاستناد إلى الآيات يتطلب “تجربة العالم”، والمعرفة الناتجة معرفةٌ بعدية (a posteriori)، مما يبرز دور “التجربة” حتى في أكثر جوانب الفكر الإسلامي أساسيةً، ويعوّض بعضًا من تقصير الفلاسفة المسلمين في تقدير دورها. كما يمكن من خلاله إعادة اكتشاف مكانة الحجج غير القياسية. سبق أن أشار بعض المفكرين المسلمين إلى التشابه بين إبستمولوجيا الآيات وإبستمولوجيا العلم الحديث (انظر: مطهري، 1379هـ، ج13، ص375-380).
  2. المنظور الكلامي وفلسفة الدين: حيث يمكن فتح باب دلالات آيات الخلق في مباحث المبدأ والمعاد، واتخاذ موقف مناسب من المقاربات التجريبية للاهوت. اليوم، تزداد الاهتمامات بالحجج المستندة إلى الوصف العلمي للطبيعة في إثبات اللاهوت ووجود الله. هذا النمط الاستدلالي، بتأثير من النماذج الفكرية للفلاسفة المسلمين، يثير قلقًا لدى بعض المتدينين الذين يرون أن الحجة اللاهوتية ينبغي أن تكون — قدر الإمكان — قبليةً (a priori) ومعتمدةً على “العقل المحض”. إعادة قراءة “الاستدلال بآيات الخلق” يمكن أن تكون ردًّا على هذه المخاوف.

تجدر الإشارة إلى أن تركيز هذه المقالة ينصب على “آيات الخلق”، وليس “آيات القرآن” أو “المعجزات”، رغم أن جميعها يندرج تحت المفهوم العام للـ”آية”. هيكل المقالة كالتالي: أولًا، سنتناول تعريف “الآية” و”آية الخلق”، ثم نناقش الطبيعة الإبستمولوجية للاستدلال بالآيات.

2. المصطلحات والتعريف

المصطلحات: ذكر اللغويون معاني متعددة لكلمة “آية”، لكن المعنى الأساسي المشترك بين جميع المصادر هو “العَلامَة” (في الإنجليزية، يُترجمها مترجمو القرآن عادةً بـ sign أو token أو portent). في الاستخدامات الجاهلية، كانت “الآية” تُطلق على العلامات المتبقية من منازل القبائل في الصحراء، أو “علامة منزل الحبيب”، أي الآثار التي يمحوها الزمن تدريجيًّا (آذرنوش، 2019).

لِمَنِ الدّارُ تَعَفَّت بِخِیَمأصبَحَت غیّرها طولُ القِدَم(الشيخو، 1991، ص444)
ما تَبیِنُ العَینُ مِن آیاتِهاغیرَ نُؤیٍ مِثلَ خَطٍ بالقَلَم

بناءً على اعتبار “الآية” علامةً، نجد أن كل “آية” تحمل عنصرًا دلاليًّا. يبدو أن بعض المعاني الأخرى التي ذكرها اللغويون (مثل “المَثَل” أو “الأمر العجيب”) تعود أيضًا إلى معنى “العلامة”، والاختلاف ليس في “المعنى” بل في “سياق الاستخدام”. بناءً على:

  1. المعنى اللغوي،
  2. استخدامات “الآية” في القرآن،

يمكن تعريف “الآية” بأنها:

الآية: واقعيةٌ تحمل دلالةً على واقعية أخرى، وهذه الدلالة يمكن أن توفر:

  1. معرفةً، أو
  2. تذكيرًا بتلك الواقعية الأخرى.

طبيعة العلاقة بين الآية وذوالآية هي عادةً علاقة إبستمولوجية، وليست دائمًا علاقة سببية (مثلاً، انظر: البقرة: 248، آل عمران: 41).

الاستخدام القرآني: يمكن تصنيف استخدامات “الآية” في القرآن (بدون ادعاء الحصر) إلى ثلاثة أنواع:

  1. آيات الخلق: تشير إلى أمور تبدو — للوهلة الأولى — عاديةً وطبيعيةً (مثل تعاقب الليل والنهار)، رغم أنها قد تتحول — بعد التأمل — إلى أحداث مدهشة.
  2. آيات النبوة: تشير إلى أمور خارقة للعادة (مثل تحول عصا موسى إلى ثعبان).
  3. آيات الكتاب: تشير إلى الوحي المنزل من الله في صورة كتب (بما في ذلك القرآن نفسه).

يبدو أن آيات الخلق تُستخدم أكثر في معرفة المبدأ والمعاد وأسماء الله، بينما آيات النبوة يمكن أن تكون دليلاً على نبوة معينة. القرآن يضع آيات الخلق والنبوة تحت مفهوم واحد هو “الآية”. تُسمى آيات النبوة في الثقافة الكلامية “معجزة” (miracle)، لكن كلمة “معجزة” نفسها لم تُستخدم في القرآن، بل استُبدلت بـ”آية” أو “بينة” (مثلاً، الأعراف: 106-108، حيث يُسمى تحول العصا فجأةً إلى ثعبان ويد موسى البيضاء “آية”). لكن حتى الأمور العادية في الخلق هي “آيات” تدل على علم الله وقدرته ومشيئته وتدبيره وتقديره وربوبيته ورحمته. في هذه المقالة، سنركز على “آيات الخلق”.

3. طبيعة الاستدلال بآيات الخلق

يمكن ذكر عدة خصائص متعلقة بالدلالة الإبستمولوجية للآية:

أ) الدلالة غير القياسية:

دلالة الآية على ذاتها ليست بالضرورة قياسية (Deductive)، بل في كثير من الأحيان تُعتبر من الأدلة غير القياسية (Non-deductive). يمكن — بحذر — الذهاب إلى أن بعض حالات الدلالة تنتمي إلى نوع الحجج الافتراضية (Abductive Reasoning) أو الاستدلال بأفضل تفسير (Inference to the Best Explanation)، أو على الأقل تحتوي على عناصر افتراضية. الاستخدامات القديمة لكلمة “آية” (كعلامة منزل الحبيب) والاستخدامات القرآنية (مثل الاستدلال على أن العالم ليس عبثًا من خلال التفكير في السماوات والأرض) توحي بهذا النوع من الدلالة.

ب) الأدلة غير القياسية مُنتجة للصدق:

رغم أن الأدلة غير القياسية ليست “حافظة للصدق” (truth-preserving)، إلا أنها “مُقتضية للصدق” (truth-conducive). لذا، يكتسب تكاثر هذه الأدلة وتجميعها أهمية: فزيادة عدد الآيات تعزز القيمة المعرفية المستخلصة. يُظهر تعبير “تصريف الآيات” في القرآن (أي تنوع الآيات المقدمة من الله) وأسلوب القرآن في تعداد الآيات الطبيعة التراكمية للاستدلال بالآيات.

ج) الأدلة غير القياسية استدلالية:

رغم أنها غير قياسية، إلا أنها تظل “استدلالاً” (reasoning). في كثير من الحالات، الكشفية (discovery) في الأدلة غير القياسية تتطلب — بالإضافة إلى ملاحظة الآية — تفكيرًا، وأحيانًا تتوسط فيها بعض الحدوس العقلانية (rational intuitions) التي قد تحتاج إلى تنبيه وإيضاح. الملاحظة الحسية للآية وحدها لا تكفي للوصول إلى ذات الآية، بل يتطلب الأمر في بعض الأحيان “التفكر” في الآيات. يذكر القرآن في مواضع متعددة أن بعض الآيات تُفهم فقط “لقوم يتفكرون” (الرعد: 3؛ النحل: 11 و69؛ الروم: 21؛ الزمر: 42؛ الجاثية: 12). ولا ينبغي اختزال “التفكر” إلى القياس الأرسطي، فله أنواع عديدة، والقياس الأرسطي مجرد واحد منها. الإحالة إلى التفكر في الآيات لا تعني اعتبار ذات الآية بديهية، بل هي نفسها نوع من الاستدلال الإقناعي. ما نصل إليه عبر التفكر في الآيات هو معلوم نظري ناتج عن أدلة، سواء كان يقينيًّا أم لا، ويُصنف ضمن العلوم الحصولية.

د) القيمة المعرفية للآيات متفاوتة:

ربما يكون الدليل على ذلك أن القرآن يصف بعض الآيات بأنها “آيات بينات” (واضحات). إذا كانت لدينا مجموعة من الأدلة التي لا تحفظ الصدق بمفردها، فإن تجميعها يمكن أن يؤدي إلى درجات عالية من العلم. العلم يتفاوت في القوة والضعف، وسنناقش ذلك لاحقًا. إذا قبلنا أن شرط النجاة في الإسلام هو العلم واليقين المتعارف عليهما في المعارف الأساسية، فيمكن القول إن الاستدلال بآيات الخلق يمكن أن يكون أساسًا متينًا للإيمان ببعض المعارف الدينية، مثل معرفة الله. الدليل على ذلك أن القرآن — بالإشارة إلى آيات الخلق في السماوات والأرض والليل والنهار والشمس والقمر والنجوم — يتوقع من المخاطب أن “يؤمن”. بل قد تكون بعض الآيات كافية وحدها للإيمان.

ملاحظة أخيرة: لا ينبغي اختزال الاستدلال غير القياسي والتراكمي بآيات الخلق إلى الاستدلال القياسي المعروف بـ”برهان النظم”، فهما يختلفان في المنهج والنتيجة. لو حوّلنا الاستدلال بالآيات إلى استدلال قياسي، لدمّرنا وظيفته. هذا يشبه تحويل الاستدلال الاستقرائي في العلم إلى صيغة قياسية ثم اتهامه بعدم الاتساق أو النقص، تمامًا كما فعل ديفيد هيوم (1711-1776) في شكوكيته حول العلوم التجريبية. لكل آية دلالتها وقيمتها الإبستمولوجية، وهذه الدلالة غير قياسية. مدلول هذه الآيات ليس مجرد القول “يوجد ناظم”، بل يمكن أن تقودنا إلى أن “الله رحيم” أو “العالم ليس عبثًا” أو “الله خير” أو “البعث وإحياء الموتى ممكن لله”. إذن، الاستدلال بالآيات وبرهان النظم ليسا متطابقين لا في المنهج ولا في النتيجة.

4. أهمية فهم آيات الخلق

في مواجهة آيات الله – ولا سيما آيات الخلق – يتفاعل البشر بطرق مختلفة. يُقيّم القرآن الكريم بعض الأفعال البشرية بشكل إيجابي (كالإيمان بالآيات) وبعضها الآخر بشكل سلبي. عدد الآيات التي تتناول ردود الأفعال السلبية تجاه “الآيات” يفوق بكثير تلك التي تذكر الأفعال الإيجابية. ومن هذه الأفعال السلبية: الغفلة عن الآيات، الإعراض عنها، جحودها، تكذيبها، الظلم بها، الاستكبار تجاهها، السخرية منها، نسيانها، عدم الإيمان بها، عدم اليقين بها، الجدال فيها، الإلحاد فيها، الكفر بها، الصمم والعمى عنها. وفي كثير من الحالات، تكون هذه الآيات من “آيات الخلق” لا آيات الوحي. ففي سورة يونس (الآية ٧) يُذكر “الغفلة عن الآيات”، وبالاستناد إلى السياق الذي يبدأ من الآية ٥، يتضح أن المقصود هو “الغفلة عن آيات الخلق”:

هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَ الْقَمَرَ نُورًا وَ قَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) إِنَّ فىِ اخْتِلَافِ الَّيْلِ وَ النهَّارِ وَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فىِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ (6) إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَ رَضُواْ بِالحَيَوةِ الدُّنْيَا وَ اطْمَأَنُّواْ بهِا وَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُوْلَئكَ مَأْوَئهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (8)

بناءً على هذه التأكيدات القرآنية، يبدو أن القرآن الكريم يتوقع من جميع مخاطبيه أن يدركوا دلالات آيات الخلق، وألا يكونوا كالصم البكم تجاهها: “وَلَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا” (الفرقان: ٧٣). فآيات الله تملأ حياة المؤمن: من السماوات والأرض والقمر والشمس والنجوم والأسرة والحياة الاجتماعية إلى أبسط الأمور كالبهائم التي تحمل الأثقال. وكأن القرآن يتوقع من المؤمن أن يرى في كل جانب من حياته دلالة توحيدية لاهوتية، ويتعرف على أسماء الله، ويفهم بوضوح مسائل المبدأ والمعاد وعدم عبثية الخلق. مثل هذا الإيمان أعمق وأكثر حيوية من مجرد تصديق مجرد ناتج عن استدلال كلامي أو فلسفي. فلا يكفي الاعتماد على استدلال مجرد لإثبات الإيمان بالله ثم التعامل مع آيات الخلق وكأنها بلا دلالة. من لا يرى دلالة في آيات الخلق فهو من الذين “خرّوا عليها صمًا وعميًا”. لآيات الخلق دلالات متعددة، وإثبات وجود الصانع ليس سوى واحدة منها. إن فهم دلالات آيات الخلق من أبسط “التجارب الدينية” التي يتوقع من كل مؤمن أن يمتلكها. المؤمن الحق يمكنه أن يتلو آيات كتاب التكوين كما يتلو آيات الكتاب.

“الاستدلال بالآيات الخلق في القرآن الكريم ليس برهاناً قياسياً بسيطاً، بل هو شبكة من الاستدلالات غير القياسية التي، بتجميعها للعلامات الطبيعية، تؤدي إلى الإيمان واليقين. إن هذا المنهج لا يستدعي المتلقي إلى نظرة سطحية عامية، بل يدعوه إلى تفكير عميق يتّفق مع المنهجية المعرفية العلمية الحديثة.”

5. مخاطبو الاستدلال بالآيات

ساد اعتقاد لدى البعض أن الاستدلال بآيات الخلق مجرد وسيلة من وسائل معرفة الله، مناسبة لعامة الناس، بينما تُعتبر طرق الفلاسفة (الاستدلالات القياسية الكلامية-الفلسفية) أو طرق الصوفية (المكاشفات العرفانية) طرقًا راقية تخص الخواص. يتبنى هذا الرأي عادةً أصحاب الميول الفلسفية/العرفانية الذين يحاولون تفسير الاختلاف بين منهج القرآن ومنهجهم الفلسفي. فهم عادةً ما يرون أن إشارات القرآن إلى الآيات هي شكل من أشكال “برهان النظم” الذي يعتبرونه ضعيفًا، لا يستطيع سوى إثبات وجود “نظم”، بل قد يشككون في كونه برهانًا أصلاً. ويقولون باستخفاف: “إن معرفة الله الناتجة عن مشاهدة خلق الجمل هي معرفة ضحلة جدًا”. ويرون أن “برهان الصديقين” لصدر الدين الشيرازي (ت ١٠٤٥هـ) القائم على “أصالة الوجود” هو الطريقة الأفضل لفهم التوحيد وإثباته. هؤلاء يعتبرون أنفسهم عقلانيين، ويقللون من شأن التجربة والعلم التجريبي، معتمدين على البراهين الفلسفية أو الكشوف العرفانية. وإذا ذُكِّروا باختلاف المنهج القرآني والنبوي عن مناهجهم الفلسفية-العرفانية، فقد يتهمون الناقد بـ”الظاهرية” و”القشرية”. أسمي هذا التصور بـ”النظرة الدونية”، لأنها تعتبر الاستدلال بالآيات وسيلة لعامة الناس فقط. وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى عدة نقاط:

١) فهم دلالات آيات التكوين دعوة إلهية عامة. من يتجاهل هذه الدلالات يكون من الذين “خرّوا عليها صمًا وعميًا”. يقول تعالى: “وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا” (الفرقان:٧٣).

٢) من صفات أهل المرض القلبي أن يصفوا إيمان الناس بـ”السفاهة”: “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ” (البقرة:١٣). في المقابل، يذكر القرآن فئة آمنت عند سماع دعوة النبي: “رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا” (آل عمران:١٩٣). وقد وُصِفَ منهج هذه الفئة في الآيات السابقة:

“إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)”

فإيمان هذه الفئة نابع من التأمل في آيات الخلق، تأملاً غير قياسي يقودهم من التفكر في السماوات والأرض إلى إدراك عدم عبثية الخلق ثم الإيمان بالمعاد. ويصف القرآن هؤلاء بـ”أولي الألباب” (أصحاب العقول)، وهو وصف لا يتناسب مع “النظرة الدونية”.

٣) إهمال منهج القرآن في عرض المعارف هو من “هجر القرآن” و”الإعراض عن الذكر”. والقاعدة العامة أن القرآن يهدي للتي هي أقوم: “إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ” (الإسراء:٩). والمعرفة الناتجة عن فهم الآيات أكثر ثباتًا من المعرفة النظرية المجردة الناتجة عن البراهين الكلامية-الفلسفية القائمة على مفاهيم مجردة مثل الوجود والإمكان. فالمعرفة الآياتية معرفة عينية تشمل كل حياة المؤمن، وتجعل كل شيء – من النوم واليقظة واللغة والأسرة والسماوات والأرض والسفن والرياح والنباتات والطيور – آية تدل على الله. بهذه المعرفة يعيش المؤمن تجربة دينية حية، يخضع فيها بخشوع، ويبكي ويبتسم. وهي معرفة في متناول الجميع، لا تحتاج إلى تصوف أو رياضات. فالتجربة هنا تقوم على الملاحظة الحسية للآية مصحوبة بحدوس عقلانية ولاهوتية تنشط خلال التأمل.

٤) رفض “النظرة الدونية” لا يعني رفض المنهج القياسي أو البرهان الفلسفي أو الجدل الكلامي، بل يعني رفض الاحتقار للطرق غير القياسية التي يقدمها القرآن. فالمنهج القياسي ضروري، وقد يزيل حواجز ذهنية لدى البعض. ونجد في القرآن نفسه بعض الاستدلالات المشابهة (مثل: الطور:٣٥، الأنبياء:٢٢). وقد استخدم أئمة أهل البيت الأساليب الجدلية مع الزنادقة. الخلاصة: النشاط الفلسفي في اللاهوت ليس ممنوعًا، لكن اختزال اللاهوت فيه واعتبار المنهج القرآني الرئيسي منهجًا عاميًا غير مقبول.

6. حول القابلية للتكذيب والضرورة في المعرفة الآياتية

هل يؤدي استخدام الاستدلال البعدي (المعتمد على التجربة) للوصول إلى حقيقة ما، إلى اختزال مكانة تلك الحقيقة إلى أمر “قابل للتكذيب”؟ لنفترض أن القضية (p) هي نتيجة استدلال بعدي. هل يمكن تصور حالة للعالم لو كانت تُلاحظ على نحو معين، لاعتبرنا القضية (p) كاذبة؟ وإذا لم نعتبر (p) صادقةً قبليًا، وأحلنا صدقها إلى التجربة، مع التفكير قبليًا بإمكانية ألا تؤكد حالة العالم (p)، فهل يمكننا بعد استخلاص (p) من التجربة أن ندعي ضرورتها؟ أم أن مكانة (p) تنحط إلى حقيقة احتمالية؟

تُعيدنا هذه الأسئلة إلى تحليل العلاقة بين التجربة والقابلية للتكذيب، وكذلك العلاقة بين الضرورة والقضايا البعدية. ولتوضيح موقفي، لا بد من إجراء بعض التمييزات.

لكي تكون القضية قابلة للتحقيق تجريبيًا، يمكن اعتبار شرطين:

(١) (C1): قبل التجربة، يمكن وصف حالة للعالم تؤدي إلى تأكيد (p) (إمكانية الإثبات).

(٢) (C2): قبل التجربة، يمكن وصف حالة للعالم تؤدي إلى إضعاف (p) (إمكانية التكذيب).

من وجهة نظر الكاتب، شرط القابلية للتحقيق التجريبي هو تحقق أحد الشرطين (C1) أو (C2)، وهناك أمور قابلة للتحقيق تجريبيًا لكنها قابلة للإثبات فقط. لتخيل هذه الحالة، تخيل وجودنا في صحراء مليئة بالحجارة بلا نهاية. يدعي رجل مجهول وجود حجر ثمين من اللازورد والياقوت بين هذه الحجارة. إذا بدأنا بالبحث ولم نجد شيئًا، يصر الرجل على أننا لم نبحث بما فيه الكفاية. لا يمكن وصف أي حالة للعالم تُضعف ادعاءه، لكن يمكن بسهولة وصف حالة تؤكده: ربما نجد الحجر في الدقائق الأولى من البحث.

سبب اقتصار كارل بوبر (١٩٠٢-١٩٩٤) على (C2) كمعيار وحيد للتحقيق، هو إنكاره إمكانية إثبات أي قضية كلية معرفيًا، مما يجعله يستحيل (C1). مثال حجر اللازورد والياقوت يتعلق بدعوى جزئية وجودية (وليست كلية). لكن إذا أمكن ضمن نظام إبستمولوجي قريني الاعتماد على استدلالات غير قياسية مثل الاستدلال بأفضل تفسير، أو الاستدلال الافتراضي، أو الاستقرائي، أو القياسي، أو غيرها، فإن (C1) يصبح متاحًا أيضًا كمعيار للتحقيق التجريبي.

فيما يخص آيات الخلق، نرى أن التجربة المكتسبة والقضايا المستخلصة منها هي أمور غير قابلة للتكذيب لكنها قابلة للإثبات. مثلاً، لا يمكن تصور أي حالة في الخلق تبطل فكرة المعاد (إلا تحقيق المعاد نفسه في المستقبل)، لكن يمكن تصور حالات تزيد احتماله، مثل ملاحظة الربيع أو تكوّن الجنين في الرحم، حيث نرى اسم “محيي الموتى” من أسماء الله، أو ندرك من خلال عجائب الخلق أن الله “على كل شيء قدير”، أو نرى بعيننا إحياء الموتى بنفخة عيسوية (أو نقبله بشهادة الآخرين)، مما يزيد احتمال المعاد أو يصل بنا إلى اليقين القلبي. فمع أنه لا حالة تبطل المعاد (﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾)، إلا أن بعض الحالات تؤكده.

كما أن البحث التجريبي للقضية (p) لا يختزل مكانتها إلى قضية احتمالية. هنا يجب التمييز بين الإمكان المعرفي (الاحتمال) والإمكان الميتافيزيقي. قد نجهل بدايةً وجود حقيقة ضرورية في العالم، ونعتبر معرفيًا أن عدم وجودها ممكن، لكن بعد ملاحظة قرائن لصالح وجود موجود ضروري (الله)، يصبح تحقق ضرورة ميتافيزيقية في العالم أكثر احتمالًا، ومع تراكم القرائن الكافية نصل إلى اليقين بوجود الله الضروري. مثلاً، قد نرفض -من خلال ملاحظة الضبط الدقيق للكون (Fine-tuning)- الصدفة كمسبب، ونكتشف مشيئة تلك الحقيقة الضرورية عبر التأمل في العالم، ونعتبر وجود موجود ضروري واعٍ وحكيم أفضل تفسير للواقع. أي أنه عبر التجربة والاستدلالات غير القياسية يمكن إدراك الضرورات الميتافيزيقية. دور التجربة هنا لا يقتصر على “سياق الاكتشاف”، بل يمتد إلى “سياق التبرير والاستناد”. هذه الضرورات “بعدية”. مشكلة هيوم كانت التزامه بإطار الاستدلالات القياسية الضيق، الذي لا يسمح بإدراك الضرورات الميتافيزيقية عبر التجربة.

إذن، الاعتماد على ملاحظة آيات الخلق لا يستلزم تصور حالات لتكذيبها، ولا يمنع الوصول إلى ضرورات العالم.

7. الوصول إلى المعرفة والإيمان

إذا حللنا الاستدلال بالآيات والاكتشافات الآيوية كاستدلالات غير قياسية، فهل يمكن الوصول إلى أكثر من “الاحتمال”؟ هل يمكن بلوغ “العلم” أو “اليقين” أو “الإيمان”؟ وكيف يمكن تفسير ذلك مع كون الاستدلالات غير القياسية غير “حافظة للصدق”؟

أولاً: “المعرفة” و”العلم” لا ينحصران في “اليقين الفلسفي” (احتمال P=1). بناءً على (١) الاستخدامات القرآنية، (٢) الفهم العقلائي المتعارف، و(٣) النظريات الإبستمولوجية المعقولة، يجب اعتبار نطاق المعرفة موسعًا. في الاستخدام القرآني، تقدم الآية ١٠ من سورة الممتحنة مثالاً دالًا:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ…﴾

هذه الآية تتعلق بمعاهدة النبي (ص) مع مشركي مكة، حيث يُمنع إعادة المؤمنات المهاجرات إلى الكفار (الطوسي، بلا تاريخ، ج٩: ٥٨٤-٥٨٦). النقطة الإبستمولوجية هنا هي طريقة القرآن في التحقق من شرط “الإيمان”: الاختبار. بما أن الإيمان وصف باطني، فما يُلاحظ ظاهريًا هو مجرد “علامات” و”قرائن” عليه، لذا تقول الآية: “اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ”، لكنها مع ذلك تأمر بعدم إعادتهن إذا “عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ”. أي أن المعرفة الظنية الناتجة عن القرائن الظاهرية تُعتبر “علمًا” في الخطاب القرآني. كذلك، يذكر القرآن قابلية الإيمان للزيادة (آل عمران: ١٧٣، الأنفال: ٢، إلخ). وقصة إبراهيم (ع) الذي -رغم إيمانه بالمعاد- طلب “اطمئنان القلب” برؤية إحياء الموتى (البقرة: ٢٦٠)، حيث ورد عن الإمام الرضا (ع): “لَا كَانَ عَلَى يَقِينٍ وَ لَكِنَّهُ أَرَادَ مِنَ اللَّهِ الزِّيَادَةَ فِي يَقِينِهِ” (البرقي، ١٣٧١هـ، ج١: ٢٤٧).

ثانيًا: تراكم القرائن الاحتمالية يمكن أن يؤدي إلى “تراكم الظنون” وبلوغ “الاطمئنان” و”العلم المتعارف”. كل دليل جديد يزيد احتمال صدق النظرية، ورغم عدم وصوله إلى P=1، فلا حد لاقترابه منها. مثلاً، نعلم بوجود مدن لم نزرها بناءً على قرائن متعددة.

ثالثًا: “تصريف الآيات” (تنوعها) يعكس الطبيعة التراكمية للمعرفة الآيوية. يقدم القرآن في آية واحدة عدة آيات خلقيّة، ربما لتقوية الدرجة المعرفية للنتيجة.

رابعًا: في المناهج الاحتمالية (خاصة البايزية)، قد تكون الاحتمالات الأولية مثار جدل، لكن مع زيادة الأدلة ووزنها المعرفي، يقل تأثيرها. إذن، بملاحظة آيات الخلق تراكميًا، يمكن بلوغ درجات عالية من العلم والإيمان.

8. الخاتمة

يُعد اختزال الاستدلال إلى القياس المنطقي أحد أكبر عوائق فهم المشروع اللاهوتي القرآني. يعتمد القرآن على المعرفة الآيوية كمنهج موضوعي هادف، ويطلب من البشر فهم دلالات آيات الخلق والإيمان بها. الإحالة إلى المعرفة الآيوية هي إحالة إلى معرفة تجريبية، غالبًا ما تكون “علمًا متعارفًا”. يمكن لهذه المعرفة أن تؤدي إلى العلم والإيمان، كما يمكنها كشف قضايا ضرورية دون اختزالها إلى قضايا قابلة للتكذيب. الرؤية الآيوية للخلق ليست حكرًا على العامة أو الخواص، بل هي لجميع البشر، لكن العقلاء هم من يتفكرون فيها. النظام الإبستمولوجي القرآني يختلف عن الأسسية الكلاسيكية في الفلسفات الإسلامية المتأثرة باليونان، ويقربنا من “الواقعية العلمية” ويبعدنا عن الشكوكيات غير المبررة.


References:

  1. قرآن کریم
  2. آذرنوش، آذرتاش (1399). آیه. دائرة المعارف بزرگ اسلامی. 26/07/1401 در: https://www.cgie.org.ir/fa/article/258806/
  3. برقی، احمد بن خالد (1371ق). المحاسن. قم: دار الکتب الاسلامیه.
  4. شیخو، لویس (1991م). شعراء النصرانیة قبل الإسلام. بیروت: دار المشرق.
  5. طباطبایی، سیدمحمدحسین (1390ق). المیزان فی تفسیر القرآن. بیروت: مؤسسة الأعلمی للمطبوعات.
  6. طوسی، محمد بن حسن (بی‌تا). التبیان فی تفسیر القرآن. بیروت: دار احیاء التراث العربی.
  7. عیاشی، محمد بن مسعود (1380ق). تفسیر العیاشی. تهران: المطبعة العلمیة.
  8. مطهری، مرتضی (1379). مجموعه آثار استاد مطهری. تهران: انتشارات صدرا.
  9. Magnani, Lorenzo (2001). Abduction, Reason and Science: Process of Discovery and Explanation. New York: Kluwer Academic/ Plenum Publishers.
  10. Walton, Douglas (2014). Abductive Reasoning. Tuscaloosa: The University of Alabama Press.