تحليل البنية الموضوعية للقرآن الكريم: منهج حاسوبي باستخدام تحليل الشبكات ونمذجة الموضوعات
"يكشف هذا البحث من خلال الجمع الذكي بين النمذجة الموضوعية وتحليل الشبكات عن تعقيدات البنية الموضوعية للقرآن، ويفتح نافذة جديدة لفهم ديناميكي ومترابط للمفاهيم المحورية في هذا النص المقدس."
"القرآن الكريم، ككتاب هداية للبشرية، كان دائمًا مصدر إلهام للبحوث العميقة في مجالات متنوعة. في هذا العدد، نواجه دراسة مبتكرة تستخدم أساليب حسابية متطورة، بما في ذلك النمذجة الموضوعية وتحليل الشبكات، للكشف عن 'المواضيع المحركة' في القرآن. هذه المواضيع، التي تقع عند تقاطع المفاهيم المتكررة والمترابطة، تلعب دورًا محوريًا في تشكيل البنية السردية للقرآن. لا تثري نتائج هذا البحث فهمنا للعلاقات المنهجية بين الموضوعات القرآنية فحسب، بل تمثل أيضًا خطوة فعالة عند تقاطع العلوم الدينية والمناهج الكمية. نأمل أن يفتح هذا النهج متعدد التخصصات آفاقًا جديدة للباحثين في علوم القرآن والمتخصصين في تحليل النصوص."
الملخص
تستخدم هذه الدراسة منهجًا حاسوبيًا مبتكرًا لتحليل البنية الموضوعية للقرآن الكريم، من خلال دمج نمذجة الموضوعات وتحليل الشبكات لتحديد واستكشاف الموضوعات الأساسية المترابطة. نظرًا لتحديات المعالجة المسبقة للنص العربي، اعتمدنا الترجمة الإنجليزية للقرآن الصادرة عن مجمع الملك فهد. تم تطبيق خوارزمية التوزيع الكامن لـ “لاتينت ديريشليت ألوكيشن” (LDA) لاستخراج ٨٠ موضوعًا مميزًا، تمثل المشهد الموضوعي المتنوع للنص. كما تم بناء شبكة تكافؤ باستخدام برنامج “VOSviewer” وتحليلها عبر “Gephi” للكشف عن العلاقات بين الكلمات بناءً على تكافؤها داخل الآيات. من خلال تعيين الموضوعات المستخرجة عبر LDA على هذه الشبكة وحساب مركزيتها وكثافتها، تم تحديد “الموضوعات المحركة” باعتبارها تلك التي تتمتع بمركزية وكثافة عاليتين، مما يشير إلى تأثيرها وترابطها الداخلي. ثم تم تصنيف هذه الموضوعات المحركة بناءً على بُعدها، حيث يشير البُعد الأكبر إلى بروز أكبر داخل السياق السردي. كشف التحليل عن تسعة موضوعات محركة بارزة، تتراوح بين الأحكام الاجتماعية وقضايا الأسرة وصولًا إلى الصفات الإلهية والوحي والجهاد الروحي. يكشف التحليل النوعي لهذه الموضوعات رؤى دقيقة حول دلالاتها اللاهوتية وترابطها. تقدم هذه المنهجية المبتكرة فهمًا ديناميكيًا ومترابطًا للبنية الموضوعية للقرآن، مما يوفر منظورًا مكملًا للتفسير التقليدي والتحليلات الحاسوبية السابقة. تفتح هذه الدراسة آفاقًا جديدة لاستكشاف النصوص الدينية حاسوبيًا، مساهمةً في فهم أكثر شمولًا للرسالة القرآنية المعقدة والخالدة.
الكلمات المفتاحية: القرآن الكريم، تحليل الشبكات، نمذجة الموضوعات، التحليل الموضوعي، الموضوعات المحركة
1. المقدمة
يُعتبر القرآن الكريم، الذي نزل على النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) على مدى ثلاث وعشرين سنة، كلام الله المُنزَل وحجر الزاوية في الإسلام (عبد الرؤوف، ٢٠١٣). وهو مصدر الهداية الإلهية الذي يُجلّه المسلمون حول العالم، إذ يضيء طريق التنوير الروحي والسلوك الأخلاقي والانسجام الاجتماعي (إساك، ١٩٩٧). تمتد حكمته عبر حدود الزمان والمكان، مقدِّمًا مبادئ خالدة لمواجهة تعقيدات الوجود البشري (نصر، ٢٠٠٣). من تفاصيل الإيمان الشخصي إلى إقامة المجتمعات العادلة، تشكل تعاليم القرآن كل جانب من حياة المسلم، مؤثرةً في معتقداته الفردية وأفعاله وتفاعلاته داخل المجتمع (الفضل، ٢٠٠٢). آياته، المشبعة بالبلاغة الإلهية والمعاني العميقة، تُلهِم التأمل والتفكر والسعي الدؤوب نحو المعرفة والفهم (ليمان، ٢٠٠٦). هذا النص المقدس ليس مجرد مجموعة من الآيات، بل هو شهادة حية على حكمة الله ورحمته الأبديتين، تُرشد البشرية نحو طريق البرّ وتُنير سبيل الحياة الهادفة.
في نسيج الدراسات الإسلامية الثري، يحتل تفسير القرآن مكانةً بالغة الأهمية. فقد كرّس أجيالٌ من العلماء حياتهم لكشف تعقيدات القرآن، متعمقين في دلالاته اللغوية وسياقه التاريخي وأبعاده الروحية. هذا الجهد العلمي، المتجذر في تقديس النص الإلهي، أنتج تراثًا ضخمًا يُضيء طبقات المعاني المتعددة للقرآن (ريبين، ٢٠٠١). وفي التراث العلمي الإيراني، يبرز هذا الإرث التفسيري بشكل لافت، حيث يمثل العلامة الطباطبائي نموذجًا للبصيرة العميقة والاجتهاد. يُعد تفسيره “الميزان في تفسير القرآن” (الطباطبائي، بدون تاريخ) إنجازًا monumental في التفسير، حيث يقدم قراءة شاملة ودقيقة تعتمد على مجموعة واسعة من التخصصات، من الفلسفة واللاهوت إلى التاريخ واللسانيات. كما أسهم علماء إيرانيون آخرون، مثل آية الله جوادي آملي (آملي، ٢٠٠٨) عبر تركيزه على الأبعاد الفلسفية والعرفانية، في إثراء فهم الحكمة القرآنية. هؤلاء العلماء، المتشبعون بالتراث الفكري الإسلامي، عززوا فهمنا للقرآن من خلال تحليلاتهم النوعية العميقة، مؤكدين على قدرة العقل البشري والبصيرة الروحية على إضاءة الرسالة الإلهية.
لقد قدّم المنهج التقليدي في تفسير القرآن، المتمثل في جهود علماء مثل العلامة الطباطبائي، رؤى لا تقدر بثمن حول طبقات المعاني القرآنية المتشابكة. تظل هذه القراءات النوعية، القائمة على التحليل اللغوي والتاريخي واللاهوتي، أساسية لفهم الرسالة القرآنية متعددة الأبعاد (لوزي، ٢٠١٢). ومع ذلك، فإن التطور التكنولوجي والمناهج الحاسوبية يفتحان آفاقًا جديدة لاستكشاف النص القرآني بطرق مكملة. يمكن للتحليلات الكمية، باستخدام تقنيات التنقيب عن النصوص ومعالجة اللغات الطبيعية واللسانيات الحاسوبية، أن تقدم منظورًا مختلفًا لفحص بنية القرآن ومفرداته وترابطاته الموضوعية. تتيح هذه الأساليب تحليلًا واسع النطاق لخصائص النص القرآني، مما يكشف عن أنماط وعلاقات قد لا تظهر بوضوح عبر المناهج النوعية التقليدية وحدها (جرimmer وستيوارت، ٢٠١٣). يمكن للتحليل الكمي أن يظهر التوزيع الإحصائي للكلمات والعبارات، ويكشف عن البنى الموضوعية الخفية، ويقدم رؤى قائمة على البيانات حول تكوين القرآن وتنظيمه. لا تهدف هذه المناهج إلى استبدال المنهج التقليدي أو التقليل من قيمته، بل إلى استكماله وإثرائه، عبر تقديم زوايا جديدة قد تكشف عن أفكار غير مسبوقة تعمق فهمنا لهذا النص الإلهي.
في حين اعتمد التفسير القرآني التقليدي بشكل رئيسي على القراءات النوعية، هناك تزايد في الأبحاث التي تستكشف القرآن عبر التحليل الكمي. تستخدم هذه الدراسات المناهج الحاسوبية للكشف عن الأنماط والعلاقات والتوزيعات الإحصائية داخل النص، مقدمةً منظورًا جديدًا حول بنيته ومحتواه. على سبيل المثال، بحث الحوارات وحجازي وهلال (٢٠١٥) الخصائص الإحصائية لمفردات القرآن، بما في ذلك تكرارات الكلمات وسحب المصطلحات وتوزيعاتها عبر السور. كما استكشف بانجو (٢٠١٤) البنى الموضوعية في القرآن باستخدام نمذجة الموضوعات الاحتمالية وتحليل المصفوفات غير السالبة، بهدف تحديد الموضوعات الكامنة وتصورها. ركز باحثون آخرون على جوانب محددة، مثل دراسة بنترسيا وزيدات ومارير (٢٠١٧) للعلاقات الدلالية بين الكلمات، أو استخدام مارير وتلمساني ومجدلوية (٢٠١٩) خوارزمية تنقيب النصوص التكافئية لاستخراج الآيات المتعلقة بالمعاملات المصرفية الإسلامية. بينما تمثل هذه الدراسات إسهامات قيّمة، إلا أنها غالبًا ما تركز على مصطلحات أو موضوعات معزولة. تهدف هذه الورقة إلى تطوير هذه الجهود عبر دمج تحليل الشبكات، لتقديم رؤية أكثر تكاملاً حول الترابطات الموضوعية للقرآن.
يُعد تحليل الشبكات إطارًا قويًا لتمثيل العلاقات بين المفاهيم وتحليلها، مما يتجاوز الدراسات المنعزلة نحو فهم شامل للبنية الموضوعية للقرآن (سكوت، ٢٠١٧). بتمثيل المفاهيم القرآنية كعقد وعلاقاتها كحواف، يمكن تصور وتحديد أهمية المواضيع المختلفة داخل السياق السردي العام.
تتناول هذه الورقة هذه الفجوة عبر منهج جديد يدمج نمذجة الموضوعات مع تحليل الشبكات لتحديد ما نسميه “الموضوعات المحركة” في القرآن. يُعد مفهوم “الموضوعات المحركة” جديدًا في الدراسات القرآنية، حيث يمثل تحولًا كبيرًا عن المناهج التقليدية. هذه الموضوعات ليست مجرد مجموعات من الكلمات المتعلقة، بل هي محاور مركزية مترابطة تشكل النسيج السردي للقرآن. من خلال بناء شبكة تكافؤ الكلمات وتعيين الموضوعات المستخرجة عليها، نكتسب منظورًا فريدًا حول مركزية المواضيع وتأثيرها. يسمح هذا المنهج القائم على الشبكات بتحديد ورتبة الموضوعات المحركة بناءً على موقعها ودرجة ترابطها، مما يكشف عن أهميتها النسبية ومساهمتها في الرسالة القرآنية الشاملة. يقدم هذا الدمج المبتكر بين نمذجة الموضوعات وتحليل الشبكات عدسة جديدة لفهم النسيج الموضوعي المعقد للقرآن، متجاوزًا الأبحاث الحالية نحو رؤية ديناميكية مترابطة لرسالته الأساسية.
2. المنهجية
يُشكّل تحضير النص العربي للتحليل الموضوعي تحديات كبيرة نظرًا لتعقيدات الصرف والنحو والدلالة في اللغة العربية. للتغلب على هذه التحديات وضمان تحليل موضوعي متين، اعتمدت هذه الدراسة الترجمة الإنجليزية للقرآن الصادرة عن مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف. توفر هذه الترجمة نسخة معتمدة وسهلة الوصول للنص القرآني، مما يسهل عملية التحضير والتحليل.
اتبع هذا البحث منهجًا منهجيًا لتحليل البنية الموضوعية للقرآن باستخدام تقنيات تنقيب النصوص وتحليل الشبكات. فيما يلي الخطوات الرئيسية للمنهجية المتبعة:
جمع البيانات وتحضيرها: نظرًا لتعقيدات معالجة النص العربي، استخدمنا الترجمة الإنجليزية لمجمع الملك فهد.
نمذجة الموضوعات: طبقنا خوارزمية “لاتينت ديريشليت ألوكيشن” (LDA) للكشف عن البنية الموضوعية الكامنة في القرآن، مع اعتبار كل آية وثيقة مستقلة.
بناء شبكة التكافؤ: باستخدام برنامج “VOSviewer”، أنشأنا شبكة تكافؤ تربط الكلمات التي تظهر معًا في الآيات، مع تحديد وزن الحواف بناءً على تكرار التكافؤ.
حساب مقاييس الشبكة: استوردنا الشبكة إلى برنامج “Gephi” لحساب المركزية والكثافة لكل عقدة (كلمة).
حساب مركزية وكثافة الموضوعات: جمعنا مقاييس الكلمات المرتبطة بكل موضوع لتحديد أهميته وترابطه في الشبكة.
تحديد الموضوعات المحركة: وفقًا لإطار كوبو وزملائه (2011، 2015)، حددنا “الموضوعات المحركة” بأنها تلك ذات المركزية والكثافة العاليتين.
ترتيب الموضوعات المحركة: حسبنا بُعد كل موضوع عن مركز الشبكة لترتيبها حسب الأهمية.
تحليل الموضوعات المحركة: أجرينا تحليلًا نوعيًا لأبرز الموضوعات، مع تفسير دلالاتها في سياق الدراسات القرآنية.
٢–١– نمذجة الموضوعات باستخدام LDA
للكشف عن البنية الموضوعية الكامنة في القرآن، استخدمنا نموذج “لاتينت ديريشليت ألوكيشن” (LDA)، وهو نموذج احتمالي توليدي (بلاي، إنغ، وجوردان، 2003). يفترض LDA أن كل وثيقة (آية) هي مزيج من عدد محدود من الموضوعات، وأن كل كلمة فيها تنتمي لأحد هذه الموضوعات. يتميز كل موضوع بتوزيع معين على المفردات. يمكن تلخيص العملية التوليدية لـ LDA كالتالي:
١. لكل آية، يتم اختيار توزيع للموضوعات من توزيع “ديريشليت” السابق (مع المعامل α).
٢. لكل كلمة في الآية:
يتم اختيار موضوع من التوزيع الخاص بالآية.
يتم اختيار كلمة من التوزيع الخاص بالموضوع (بناءً على المعامل β).
الشكل ١: عملية LDA
من خلال هذه العملية (الشكل ١)، يستنتج LDA البنية الموضوعية الكامنة بتحليل توزيع الكلمات عبر النص. تشمل مخرجات LDA:
توزيع الموضوعات لكل آية: احتمالية ارتباط الآية بكل موضوع.
توزيع الكلمات لكل موضوع: الكلمات الأكثر ارتباطًا بكل موضوع.
تم ضبط المعاملين α و β عبر تجارب أولية لتحقيق توازن بين تماسك الموضوعات ودقة النموذج. كما تم تحديد العدد الأمثل للموضوعات (k = 80) بناءً على مقاييس التماسك والقابلية للتفسير.
٢–٢– إطار تحليل الشبكات
لتحليل ترابط الموضوعات وتحديد “الموضوعات المحركة”، اعتمدنا إطار كوبو وزملائه (2011، 2015)، والذي يتضمن:
شبكة التكافؤ: تمثل الكلمات عقدًا، وتمثل الحواف تكافؤ الكلمات في الآيات.
المركزية: تقيس أهمية العقدة بناءً على اتصالاتها (حسابها عبر Gephi).
الكثافة: تقيس ترابط العقد ضمن محيطها.
الموضوعات المحركة: موضوعات ذات مركزية وكثافة عاليتين.
البعد عن المركز: مقياس للأهمية، حيث تشير المسافة الأكبر إلى تأثير أعلى.
الشكل ٢: إطار تحليل الشبكات
٣. النتائج والتحليل
٣– النتائج
يقدم هذا القسم نتائج التحليل، بدءًا بنتائج نمذجة الموضوعات باستخدام خوارزمية LDA وبناء شبكة التكافؤ وتحليلها. نوضح عملية تحديد العدد الأمثل للموضوعات، ونعرض تصورًا للموضوعات المحددة، ثم نقدم مقاييس الشبكة المستخدمة لتحديد وترتيب الموضوعات المحركة في القرآن. يهدف هذا العرض المنظم إلى تقديم نظرة شاملة وواضحة لأهم النتائج المستخلصة من التحليل الحسوبي.
٣–١– نمذجة الموضوعات وتحليل التماسك:
بدأنا بتطبيق خوارزمية توزيع ديريشليت الكامن (LDA) لنمذجة الموضوعات واستخراج البنية الموضوعية الكامنة للقرآن. كانت الخطوة الرئيسية في هذه العملية هي تحديد العدد الأمثل للموضوعات. قمنا بتقييم مجموعة من أعداد الموضوعات وحساب درجة التماسك لكل منها، بهدف تعظيم تماسك الموضوعات (الشكل 3). يقيس التماسك التشابه الدلالي بين الكلمات الرئيسية داخل الموضوع، حيث تشير الدرجات الأعلى إلى موضوعات أكثر قابلية للتفسير ومعنى (Röder, Both, & Hinneburg, 2015). كشف تحليلنا أن العدد الأمثل للموضوعات، بناءً على قيمة التماسك، كان ٨٠. وهذا يشير إلى وجود مشهد موضوعي غني ومتعدد الطبقات في القرآن.
الشكل 3: العدد الأمثل للموضوعات
الشكل 3: العدد الأمثل للموضوعات
تصور الموضوعات:
يقدم الشكل 4 تصورًا للموضوعات الثمانين التي أنتجها نموذج LDA، باستخدام أداة pyLDAvis. يسمح هذا التصور التفاعلي باستكشاف خريطة المسافات بين الموضوعات، وعرض العلاقات بينها، وأهم المصطلحات داخل كل موضوع. يمثل حجم كل دائرة في خريطة المسافات بين الموضوعات مدى انتشار الموضوع المقابل في النص، بينما تعكس المسافة بين الدوائر البعد الدلالي بين الموضوعات. بالنقر على موضوع معين في التصور، تظهر المصطلحات الأكثر صلة بذلك الموضوع، مما يوفر رؤية أعمق لمحتواه الموضوعي.
الشكل 4: تصور pyLDAvis للموضوعات الثمانين
٣–٢– شبكة التكافؤ ومقاييس الشبكة:
بعد نمذجة الموضوعات، قمنا ببناء شبكة تكافؤ للكلمات بناءً على تكرارها المشترك داخل الآيات الفردية. توفر هذه الشبكة، المصورة في الشكل 5، تمثيلًا بيانيًا للعلاقات بين الكلمات في القرآن.
الشكل 5: شبكة تكافؤ الكلمات
تم استيراد الشبكة إلى برنامج Gephi لحساب مقاييس الشبكة. قمنا بحساب الكثافة والمركزية لكل عقدة كلمة داخل الشبكة. الكثافة، كمقياس محلي، تقيس درجة ترابط الكلمة مع جيرانها المباشرين، بينما المركزية، كمقياس عام، تلتقط الأهمية والتأثير الكلي للكلمة داخل الشبكة بأكملها.
٣–٣– كثافة ومركزية الموضوعات:
لتحليل الموضوعات التي حددتها LDA في سياق شبكة التكافؤ، قمنا بحساب الكثافة والمركزية لكل موضوع. تم تحقيق ذلك عن طريق حساب متوسط قيم الكثافة والمركزية للكلمات المكونة لكل موضوع. سمح لنا ذلك بتوصيف درجة ترابط وأهمية كل موضوع داخل هيكل الشبكة العام. تم تمثيل نتائج هذه الحسابات بيانيًا في الشكل 6، وهو مخطط مبعثر حيث تمثل كل نقطة موضوعًا، موضوعة وفقًا لقيم مركزيتها وكثافتها.
الشكل 6: مخطط مبعثر للموضوعات بناءً على المركزية والكثافة
كما هو موضح في الشكل 6، تتميز الموضوعات الواقعة في الربع العلوي الأيمن بكثافة ومركزية عاليتين. ووفقًا لإطار عمل Cobo et al. (2011, 2015)، تم تحديد هذه الموضوعات على أنها “موضوعات محركة”، تمثل مفاهيم مركزية مترابطة بكثافة تقود وتشكل السرد العام للقرآن.
٣–٤– ترتيب وتحليل الموضوعات المحركة:
لتعميق فهمنا للموضوعات المحركة وأهميتها النسبية، قمنا بحساب بُعد كل موضوع محرك. يعمل هذا البُعد كمقياس للأهمية الموضوعية، حيث تعتبر الموضوعات الأبعد عن المركز أكثر تأثيرًا داخل الهيكل السردي العام للقرآن. تظهر المسافات المحسوبة لكل موضوع محرك في الجدول ١.
الموضوع
البعد
١
١.٣٧٥
٥
١.٣١٠
٤
١.٠٦٧
٣٨
٠.٥٨٣
٣٩
٠.٥٤٣
٣
٠.٤٨٥
٨
٠.٤٧٢
٢٣
٠.٤٣٩
١٤
٠.٢٩٧
الجدول ١: الموضوعات المحركة مرتبة حسب البعد عن مركز الشبكة
بناءً على هذه المسافات، يمكننا ترتيب الموضوعات المحركة تنازليًا حسب بُعدها عن محيط الشبكة (حيث يشير البُعد الأكبر إلى أهمية أكبر): الموضوع ١، الموضوع ٥، الموضوع ٤، الموضوع ٣٨، الموضوع ٣٩، الموضوع ٣، الموضوع ٨، الموضوع ٢٣، والموضوع ١٤. يشير هذا الترتيب إلى وجود هيكل هرمي للتأثير الموضوعي داخل القرآن، حيث تحتل الموضوعات ١ و٥ المواقع الأكثر طرفية، وبالتالي تلعب على الأرجح الأدوار الأكثر أهمية في تشكيل السرد العام.
يوفر الشكل 7 تمثيلًا مرئيًا لهذه الموضوعات المحركة والكلمات الرئيسية المرتبطة بها، مرتبة في هيكل طبقي متحد المركز. يشغل الموضوع الأساسي، الذي تم تحديده على أنه الأكثر مركزية وتأثيرًا، الدائرة الداخلية. تمثل الطبقات اللاحقة الموضوعات المحركة المتبقية، موضوعة حسب تناقص المركزية، مع احتواء الطبقة الخارجية على الموضوع الأبعد عن مركز الشبكة. يساعد هذا التصور في فهم العلاقة الهرمية بين الموضوعات المحركة وأهميتها النسبية داخل السرد القرآني. يوفر هذا التحليل النوعي جسرًا حاسمًا بين النتائج الحسوبية والفهم الديني الراسخ، مما يثري تفسيرنا للنتائج.
الشكل 7: التمثيل المرئي للموضوعات المحركة والكلمات الرئيسية المرتبطة بها
4. التحليل النوعي للموضوعات المحركة
تتضمن المرحلة الأخيرة من تحليلنا دراسة نوعية متعمقة لأهم الموضوعات المحركة التي تم تحديدها. وهذا يشمل استكشاف المصطلحات الأكثر بروزاً المرتبطة بكل موضوع كما كشفها نموذج LDA، وتفسير دلالاتها وأهميتها في سياق الدراسات القرآنية واللاهوت الإسلامي.
1-4. الموضوع الأول (الموضوع ١): التشريعات الاجتماعية وقضايا الأسرة
يبرز الموضوع الأول كأحد المحاور الأساسية، مع التركيز على التشريعات الاجتماعية في القرآن، خاصة تلك المتعلقة بالأسرة. كما هو متوقع، تأتي كلمة “الناس” كأكثر المصطلحات تكراراً، مما يؤكد الأبعاد المجتمعية الواسعة لهذه التشريعات. يتضمن هذا الموضوع عدة محاور فرعية مترابطة:
الميراث وحقوق الملكية: مصطلحات مثل “يورث”، “المال”، “نصيب”، “ورثة”، و”أقرب” تشير بوضوح إلى قوانين توزيع الثروة والميراث داخل الأسر. يقدم القرآن تفصيلاً دقيقاً لكيفية تقسيم الميراث بين أفراد الأسرة لضمان العدالة والاستقرار الاجتماعي.
الزواج والهيكل الأسري: تُظهر كلمات مثل “تزوجوا”، “الزواج”، “زوجة”، “أزواج”، “زوج”، “أم”، “أب”، “والدان”، “أخ”، “أخت”، و”ولد” تركيز القرآن على بناء كيان أسري متين. كما تُغطي التشريعات المتعلقة بالطلاق (“الطلاق”) وحقوق وواجبات أفراد الأسرة.
فض المنازعات والعدالة: مصطلحات مثل “القضاء”، “قضية”، “اختلاف”، “حكم”، “لوم”، “حجة”، و”فصل” تعكس اهتمام القرآن بحل النزاعات بعدل وسلام داخل المجتمع.
الوصاية ورعاية الضعفاء: يشير مصطلح “اليتيم” إلى عناية القرآن بحماية حقوق الضعفاء في المجتمع.
الأوامر الإلهية والتوجيه: كلمات مثل “أمر”، “فرض”، “تعليم”، “عليم”، “حدود”، و”قسط” تؤكد أن هذه التشريعات ذات أصل إلهي وتهدف إلى إقامة مجتمع عادل.
يُظهر ترابط هذه المحاور رؤية القرآن الشاملة للتنظيم الاجتماعي، حيث توفر التوجيهات الإلهية إطاراً لبناء أسر قوية وحل النزاعات وحماية الضعفاء.
2-4. الموضوع الثاني (الموضوع ٥): العبادات والأخلاق والعدالة الاجتماعية
يكشف هذا الموضوع عن تداخل العبادات الإسلامية مع الأخلاق والعدالة الاجتماعية. تشمل المصطلحات البارزة:
العبادات: مثل “الصيام”، “المسجد”، “الحج”، و”الأضحية”.
الأخلاق: مثل “الخير”، “العدل”، “العفة”، و”النفاق”.
العدالة الاجتماعية: مثل “الرقيق”، “المحتاج”، “التعويض”، و”الكفارة”.
يؤكد هذا الموضوع على تكامل العبادة مع السلوك الأخلاقي والمسؤولية الاجتماعية.
3-4. الموضوع الثالث (الموضوع ٤): الزراعة والرزق والبركات الإلهية
يركز هذا الموضوع على الزراعة كنعمة إلهية، مع مصطلحات مثل:
“الحدائق”، “الثمار”، “المطر”، و”السماء”.
يُظهر القرآن كيف أن الزراعة ليست مصدر رزق فحسب، بل أيضاً آية على قدرة الله.
4-4. الموضوع الرابع (الموضوع ٣٨): صفات الله والعدالة والروابط المجتمعية
يستكشف هذا الموضوع أسماء الله وصفاته، مثل:
“العزة”، “الجلال”، و”الكمال”.
مع التركيز أيضاً على العدالة (“القسط”) والتماسك الاجتماعي (“الأخوة”).
5-4. الموضوع الخامس (الموضوع ٣٩): الوحي والنبوة والهداية الأخلاقية
يتناول عملية الوحي ودور الأنبياء، مع مصطلحات مثل:
“الملائكة”، “جبريل”، “الإنذار”، و”البيان”.
يُبرز القرآن أهمية الوحي في توجيه البشرية.
6-4. الموضوع السادس (الموضوع ٣): آيات الله في الكون والتأمل الإنساني
يحث هذا الموضوع على التفكر في الآيات الكونية، مثل:
“الجبال”، “الأشجار”، “السفن”، و”الكواكب”.
حيث يربط القرآن بين الظواهر الطبيعية والحقائق الروحية.
7-4. الموضوع السابع (الموضوع ٨): الجهاد الروحي والطهارة والمسؤولية الاجتماعية
يتناول الصراع مع النفس والشيطان، مع مصطلحات مثل:
“الشيطان”، “الطهارة”، “الصلاة”، و”الإنفاق”.
يؤكد على أهمية تطهير القلب مع أداء الواجبات الاجتماعية.
8-4. الموضوع الثامن (الموضوع ٢٣): الأفعال والعواقب والسلطة الإلهية
يركز على مسؤولية الإنسان عن أفعاله، مع كلمات مثل:
“العمل”، “الحساب”، “المساءلة”، و”العقاب”.
يُذكر القرآن بأن الله هو الحاكم النهائي.
9-4. الموضوع التاسع (الموضوع ١٤): الصبر والثقة في الغيب
يؤكد على فضيلة الصبر، مع مصطلحات مثل:
“الصبر”، “الانتظار”، “الغيب”، و”اليقين”.
حيث يربط القرآن بين الصبر والنجاح في الدنيا والآخرة.
هذه الموضوعات المحركة تُظهر تكامل الرسالة القرآنية بين العبادة والأخلاق والعدالة الاجتماعية، مع التأكيد على مركزية العلاقة بين الله والإنسان والكون.
“يكشف هذا البحث عن تحديد 9 مواضيع محركة رئيسية في القرآن، بما في ذلك القوانين الاجتماعية والصفات الإلهية والجهاد الروحي، موضحًا أن المفاهيم المحورية في هذا النص لا تتمتع فقط بكثافة ومركزية عالية، بل هي أيضًا موضوعة في شبكة مترابطة من المعاني. المنهجية المختلطة المستخدمة توفر إمكانية لفهم ديناميكي للعلاقات الموضوعية في القرآن، مما يمكن أن يكون مكملاً قيمًا للتفسيرات التقليدية.”
5. الخاتمة
أثبتت هذه الدراسة إمكانية الجمع بين نمذجة الموضوعات وتحليل الشبكات في الكشف عن “الموضوعات المحركة” التي تقود الخطاب القرآني. ومن خلال تحديد هذه الموضوعات المركزية المترابطة وترتيبها حسب أهميتها، تمكّنا من الحصول على رؤى قيّمة حول النسيج الموضوعي المعقد لهذا النص المقدس.
كشف تحليلنا عن تسعة موضوعات محركة بارزة، ساهمت كل منها في تعميق الفهم للرسالة متعددة الأبعاد للقرآن الكريم. وتتراوح هذه الموضوعات بين التشريعات الاجتماعية وقضايا الأسرة، وصولاً إلى الصفات الإلهية والوحي والجهاد الروحي، مما يُبرز الترابط الوثيق بين مختلف جوانب التعاليم الإسلامية التي تشمل التقوى الفردية والمسؤولية الاجتماعية والسلوك الأخلاقي.
لقد مكّننا المنهج القائم على تحليل الشبكات من تصوير العلاقات بين هذه الموضوعات وقياسها كمياً، مقدّماً بذلك منظوراً مكمّلاً للتفسير القرآني التقليدي. ورغم أن التحليل اعتمد على ترجمة إنجليزية – مع الاعتراف بالقيود الكامنة في هذا النهج – إلا أن المنهجية نفسها تقدم إطاراً متيناً للأبحاث المستقبلية التي قد تطبّق هذه التقنية على النص العربي الأصلي.
كما أن دمج منهجيات حاسوبية أخرى مثل تحليل المشاعر أو التعرف على الكيانات المسماة (Named Entity Recognition) قد يُثري فهمنا للغة القرآنية الغنية ودلالاتها الدقيقة.
تمثل هذه الدراسة أساساً قيماً للاستكشافات الحاسوبية المستقبلية للنصوص الدينية، حيث تفتح آفاقاً جديدة للبحث العلمي متعدد التخصصات، وتسهم في تقدير أكثر شمولاً للحكمة الخالدة للقرآن الكريم.
وبذلك، لا تقدم هذه الأبحاث أدوات منهجية جديدة فحسب، بل تسلط الضوء أيضاً على الإمكانات الكبيرة للتقنيات الحاسوبية في خدمة الدراسات القرآنية، مع الحفاظ على التكامل مع المناهج التفسيرية الكلاسيكية.
References:
Abdul-Raof, H. (2001). Qur’an translation. Routledge.
Alhawarat, M., Hegazi, M., & Hilal, A. (2015). Processing the text of the Holy Quran: A text mining study. International Journal of Advanced Computer Science and Applications, 6(2), 262–267.
Amoli, A. J. (2008). Tafsir Tasnim. Dar al-Hadith.
Bentrcia, R., Zidat, S., & Marir, F. (2017). Extracting semantic relations from the Quranic Arabic based on Arabic conjunctive patterns. Journal of King Saud University – Computer and Information Sciences, 30(3).
Blei, D. M., Ng, A. Y., & Jordan, M. I. (2003). Latent dirichlet allocation. Journal of machine Learning research, 3(Jan), 993–1022.
Cobo, M. J., Martínez, M. A., Gutiérrez-Salcedo, M., Fujita, H., & Herrera-Viedma, E. (2015). 25 years at Knowledge-Based Systems: A bibliometric analysis. Knowledge-Based Systems.
Cobo, M.J., López-Herrera, A.G., Herrera-Viedma, E., & Herrera, F. (2011). An approach for detecting, quantifying, and visualizing the evolution of a research field: A practical application to the fuzzy sets theory field. Journal of Informetrics, 5(1), 146-166.
El Fadl, K. (2002). Speaking in God’s name: Islamic law, authority and women. Oneworld Publications.
Esack, F. (1997). Qur’an, liberation & pluralism. Oneworld Publications.
Grimmer, J., & Stewart, B. M. (2013). Text as data: The promise and pitfalls of automatic content analysis methods for political texts. Political Analysis, 21(3), 267–297.
Leaman, O. (2006). The Qur’an: An encyclopedia. Routledge.
Marir, F., Tlemsani, I., & Majdalwieh, M. (2019). A recursive co-occurrence text mining of the Quran to build corpora for Islamic banking business processes. In International Conference on Industrial, Engineering and Other Applications of Applied Intelligent Systems (pp. 306–312). Springer.
Nasr, S. H. (2003). The heart of Islam: Enduring values for humanity. HarperOne.
Panju, M. H. (2014). Statistical extraction and visualization of topics in the Qur’an corpus (Master’s thesis). University of Waterloo, Waterloo, Canada.
Qutb, S. (1977). In the shade of the Qur’an. Islamic Foundation.
Rippin, A. (Ed.). (2001). Approaches to the history of the interpretation of the Qur’an. Oxford University Press.
Röder, M., Both, A., & Hinneburg, A. (2015). Exploring the space of topic coherence measures. Proceedings of the eighth ACM international conference on Web search and data mining, 399-408.
Scott, J. (2017). Social network analysis. Sage.
Siddiqui, M. A., Faraz, S. M., & Sattar, S. A. (2013). Discovering the thematic structure of the Quran using probabilistic topic model. In 2013 Taibah University International Conference on Advances in Information Technology for the Holy Quran and Its Sciences (pp. 234–239). IEEE.
Tabataba’i, M. H. (n.d.). Al-Mizan fi Tafsir al-Quran. Islamic Publications Office.
RM Losee. (2012). Text retrieval and filtering: Analytic models of performance. springer.