Main content starts here
دراسة جدوى وتقييم محاكاة تكوين الأمة باستخدام أدوات معرفة النظم المعقدة

دراسة جدوى وتقييم محاكاة تكوين الأمة باستخدام أدوات معرفة النظم المعقدة

"معرفة وتمثيل النظام القرآني الأمثل، أو ما يُعرف بالمجتمع الولائي، الذي كان تحقيقُه محطَّ سعي جميع الأنبياء والأئمةالمعصومين (عليهم السلام)، يُمثِّل أهمَّ معرفةٍ تواجه العالمَ والمفكِّرَ المسلم”.

رضا خواجوی | سید هاشم میری حکیم‌آباد | لاله رفعت متولی | هادی رستگار مقدم رضائیون

Go to content
Abstract

"تندفع هذه الدراسة بجرأةٍ مُثْمِنة، فتُمزج حدود المعرفة، وتقدم -باستخدام أدوات النظم المعقّدة الحديثة- تصوراً مبتكراً لهيكل المجتمع القرآني. يُبرز المؤلف، عبر الدمج بين دلالات المفردات القرآنية والنمذجة الحاسوبية، كيف يمكن للعلاقة الولائية والأخوّة أن تؤدي إلى تشكيل «الأمة الوسطى». لا تمثل هذه الورقة البحثية خطوةً مهمةً فحسب في الدراسات البينية بين الإسلام والعلوم الاجتماعية، بل هي أيضاً منارةٌ للباحثين الساعين إلى إعادة صياغة المفاهيم الدينية في إطار الأطر العلمية المعاصرة."

الملخص

الحياة الاجتماعية والاهتمام بروح المجتمع تُعدّ من أصول التعاليم القرآنية. لقد سعى الأنبياء والأئمة المعصومون (عليهم السلام) إلى تحويل البنى الاجتماعية القائمة على الثقافة غير التوحيدية نحو البنية الإسلامية المثالية المتمثلة في “الأمة الواحدة” و”الجنة الولائية”، وذلك من خلال تشكيل بنية مناسبة تُسمى “الأمة الوسطى” واعتماد استراتيجيات أبرزها “الولاية”. وللأسف، لم تُجر حتى الآن دراسة مناسبة لتمثيل بنية المجتمع من المنظور القرآني وعرض تحولاته.

تهدف هذه الدراسة إلى تقديم تصور لبنية المجتمع من المنظور القرآني -خاصة “الأمة الوسطى”- وآلية تشكّلها وتحولها، باستخدام الأدوات المقترحة من علم النظم المعقدة الناشئ (نظرية الشبكات والمحاكاة القائمة على العوامل الفاعلة)، بهدف الكشف عن آليات تشكّل هذه البنية ومراحل تطورها.

الكلمات المفتاحية: الأمة، النظام المعقد، المحاكاة القائمة على العوامل

1. المقدمة

يصور القرآن الكريم الإنسانَ كائنًا اجتماعيًا. فالحياة الاجتماعية والاهتمام بروح المجتمع يُعدان من أهم التعاليم القرآنية الأساسية. هذه الصورة التي يقدمها القرآن الكريم للإنسان تتجاوز بكثير الرؤى الشائعة التي تجعل أساس الحياة الاجتماعية هو سد الحاجات الفردية؛ أي أن البشر بسبب تزايد احتياجاتهم وعجزهم عن تلبيتها بشكل فردي، يضطرون إلى العيش في مجتمع. في المقابل، فإن الصورة التي يعكسها القرآن الكريم للحياة الاجتماعية هي عملية تمتد من الخلق إلى القيامة، تقوم على مفهوم “الولاية” والإرادة الجماعية، وتؤدي إلى بناء المجتمع الولائي وظهور الجنة. من هذا المنظور، فإن معرفة وتمثيل النظام القرآني المثالي، أي المجتمع الولائي، الذي سعى جميع الأنبياء والأئمة المعصومون (عليهم السلام) لتحقيقه، وآلياته وطرق الوصول إليه بأقل تكلفة ممكنة، يُعدّ أهم معرفة تواجه العالم والمفكر المسلم.

كان تحديد طبيعة البنى الاجتماعية وكيفية إعادة هيكلتها بأداء أفضل، الشغل الشاغل لعلماء العلوم الإنسانية، خاصة في مجالات علم الاجتماع والاقتصاد. من ناحية، مع توسع المعرفة البشرية في فهم النظم وظهور مفهوم “الأنظمة المعقدة”، التي اتضح أن معظم البنى المتقدمة في الكائنات الحية والمجتمعات البشرية تنتمي إليها، ومن ناحية أخرى، مع التطور الهائل في القدرات الحاسوبية وانتشار الإنترنت وبروز الشبكات الاجتماعية الرقمية وأدوات الرصد البشري، أصبح من الممكن الآن تمثيل وتحليل ومعالجة البنى الاجتماعية بشكل تجريبي، سواء عبر المحاكاة أو المراقبة. فقد تمكن علماء الاجتماع من خلال استخدام البيانات الضخمة المستمدة من الإنترنت العالمي والهواتف المحمولة، من إعادة بناء وتحليل الشبكات الاجتماعية في صورة رسوم بيانية معقدة متشابكة، مما يمكنهم من دراسة نوع وتنظيم البنى الاجتماعية، ومراقبة ديناميكيات هذه الشبكات وتطورها عبر الزمن، لفهم القوانين التي تحكم السلوكيات الاجتماعية. كما أن تحديد قوانين ونماذج السلوك الاجتماعي للمجموعات البشرية أتاح إمكانية محاكاة الديناميكيات الاجتماعية ودراسة الأداء الكلي لهذه الأنظمة، الذي ينبثق من التفاعلات البينية البسيطة. وباستخدام هذه الإمكانيات، خطا علماء الاجتماع خطوة كبيرة نحو “الهندسة الاجتماعية”، وأصبحت الرؤية لتحقيق مجتمع ذي أداء مثالي أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. ومن الواضح أن هذه التقنيات متعددة التخصصات يمكن أن تصبح أيضًا أدوات في يد القوى الكبرى لتوجيه المجتمع عبر الهندسة الاجتماعية نحو هياكل وديناميكيات تخدم أهدافها السياسية والاقتصادية. وبناءً على ذلك، ظهرت الآن جامعات ومعاهد بحثية ومختبرات متخصصة في مجال “الفيزياء الاجتماعية” و”فيزياء الأنظمة المعقدة”، تعمل بشكل جاد في هذا الاتجاه.

تهدف هذه الدراسة إلى استخدام أحد الأدوات المقترحة في علم “فيزياء الأنظمة المعقدة”، وهي “المحاكاة القائمة على العوامل”، لتمثيل جانب من تنظيم مفهوم “الأمة” بناءً على العلاقة الولائية بين الأفراد. ومن الواضح أن هذه المحاكاة تقوم على نموذج من التفاعلات البينية، ومثل أي نموذج، فهي مجرد تمثيل مبسط للواقع. وتسعى هذه الدراسة إلى تقييم وإمكانية تطبيق مثل هذه الأدوات في تمثيل المفاهيم الإنسانية في الإسلام، مع التركيز على تحديد أوجه القصور والقيود فيها، وربما تقديم بعض المقترحات في هذا الصدد.

وعليه، فإن الأسئلة الرئيسية التي تسعى هذه الدراسة متعددة التخصصات للإجابة عنها هي:

1- ما هي البنى الاجتماعية التي يصفها القرآن الكريم، وكيف تنشأ؟

2- هل يمكن اقتراح نموذج حاسوبي مبسط لتمثيل هذه البنى الاجتماعية ومراقبة ديناميكياتها؟ وما هي خصائص هذا النموذج؟

3- كيف يمكن تقييم نتائج هذه المحاكاة؟ وهل بناءً على هذه التقييمات، يمكن استخدام هذه الأداة في تمثيل المفاهيم الاجتماعية الإسلامية؟

4- ما هي القيود التي تواجهها المحاكاة باستخدام هذا النموذج؟

وبالتالي، فإن مخرجات هذه الدراسة تتلخص في:

1- تمثيل البنى الاجتماعية المذكورة في القرآن الكريم.

2- اقتراح نموذج لتمثيل هذه البنى في إطار علم “الأنظمة المعقدة”.

3- إجراء محاكاة وتمثيل ديناميكيات البنى الاجتماعية القرآنية بقدر ما تسمح به أدوات محاكاة الأنظمة المعقدة.

وفي الختام، تجدر الإشارة إلى أن هذه الدراسة هي عمل متعدد التخصصات بين مجال الدين (مع تركيز خاص على آيات القرآن الكريم) وعلم “فيزياء الأنظمة المعقدة”. وفيها يتم استخراج المصطلحات القرآنية المرتبطة بالمفاهيم الاجتماعية مثل “الولاية” و”الأمة” (مع التركيز على أنواع الأمم المذكورة في القرآن مثل “أمة واحدة”، “أمة مسلمة”، “أمة مقتصدة”، “أمة وسطى”، والأمم الحيوانية)، ثم يتم تحليلها بناءً على منهجيات خاصة في تحديد المعاني. ومن المهم الإشارة إلى أن موضوع هذا البحث لم يُطرح من قبل في المراكز العلمية، مما يجعله موضوعًا جديدًا وغير مسبوق. ومن الواضح أنه نظرًا لكون علم الشبكات الاجتماعية من المجالات المتطورة، وارتباطه الوثيق بنظرية الأنظمة المعقدة وتطبيقاته في علم الإدارة، يمكن اعتبار هذه الدراسة من الأبحاث الرائدة. ونأمل أن يساهم تمثيل المفاهيم الاجتماعية القرآنية باستخدام الأدوات العلمية الأكاديمية المقبولة، في تقديم خطوة مفيدة نحو تعريف العالم بالقرآن الكريم.

2. الخلفية البحثية 

يجب اعتبار دراسة بنية المجتمع الإنساني وديناميكيته من أكبر اهتمامات المعرفة، إذ إن كل الجهود العلمية للإنسان تهدف إلى تنظيم مجتمعٍ مثالي. ومن الواضح أن تحقيق مثل هذا المجتمع هو غاية الأنبياء والأئمة المعصومين (عليهم السلام)، الذين لديهم تصور خاص للمجتمع المثالي بناءً على الرؤية الدينية. هذه المسألة واضحة جدًا من المنظور الديني لدرجة أن عظماء مثل الشهيد الصدر يعتبرون المشكلة الاجتماعية في الأساس جهلًا بشريًا في إيجاد النظام الأصلح (أي النظام الاجتماعي الذي يقود المجتمع إلى السعادة) (كلانتري ومهدي زاده، 2011).

ومع ذلك، من وجهة نظر علم الاجتماع، فإن تعريف المجتمع المثالي من ناحية، وإيجاد القوانين التكوينية أو التشريعية للتنبؤ بديناميكية المجتمعات البشرية أو توجيهها نحو المجتمع المثالي من ناحية أخرى، يمثل مجالًا واسعًا من الآراء والنتائج والاجتهادات. في الواقع، حتى في أبسط مفاهيم هذا العلم، أي مصطلح “المجتمع”، وعلى الرغم من استخدامه الواسع، لا يزال هناك غياب لإجماع حول تعريف شامل ودقيق (ساروخاني، 1996). لقد بلغ هذا الغموض الدلالي درجة جعلته مرادفًا أحيانًا لمصطلحات مثل “الأمة”، و”الجماعة”، وحتى “الحضارة”. وفي المقابل، ضيَّق بعض علماء الاجتماع معناه لدرجة حصره في التجمعات الكبيرة التي تتمتع بعلاقة عضوية بين مكوناتها ونسيجها الاجتماعي، بينما أطلقوا على المجتمعات الأصغر التي لم تصل إلى مرحلة التحضر مصطلحات مثل “الجماعة”، و”المجموعة”، و”الفئة”، وغيرها (كينغ، 1976).

أشار كل عالم اجتماع، حسب انتمائه المذهبي، إلى عناصر معينة في تعريفه للمجتمع؛ فقد ركز بعضهم على الأهداف المشتركة ذات النفع العام (صليبا، 1991)، بينما عدَّ آخرون التقاليد، والعبادات، والعادات، وأسلوب الحياة، والثقافة المشتركة عناصر أساسية في تعريف المجتمع. واعتبرت مجموعة أخرى الوحدة الجزئية الجسدية، والنفسية، والأخلاقية بين الكائنات العاقلة، ووجود حكومة ديناميكية شاملة وفعالة، أو امتلاك أرض وثقافة مشتركة وروابط حيوية وتقنية وثقافية أمورًا بالغة الأهمية (بيرو، 1987). في حين عرَّفه آخرون بأنه تجمع الأفراد طواعيةً للحصول على مكاسب مباشرة وغير مباشرة (سووه، 1979؛ وجولد وكولب، 1997). كما رأى بعضهم أن المجتمع هو مجموعة من البشر اندمجوا معًا تحت ضغط سلسلة من الحاجات وتأثير مجموعة من المعتقدات، والأفكار، والمثل العليا، ويعيشون حياة مشتركة (مطهري، 1998)، حيث تربطهم علاقات متنوعة مشتركة، ومتبادلة، ومستقرة نسبيًا، ويجمعهم هدف واحد (صليبا، 1991).

في مقابل هذا المنظور لعلماء الاجتماع والعلماء الاجتماعيين لمفهوم المجتمع، حاول علماء الفيزياء الاجتماعية باعتماد منهج عملي تمثيل البنى الاجتماعية وعرض ديناميكيتها ونمذجة هذه الديناميكية باستخدام الأدوات الحاسوبية وبيئة الفضاء الافتراضي (Pentland, 2014). وسيتم تقديم أمثلة على هذا المنهج العملي في القسم 4-2.

3. منهجية البحث

تنقسم منهجية البحث في هذه الدراسة إلى ثلاثة مجالات رئيسية: البحث الديني والقرآني، والبحث العلمي، ثم الدمج بين البحثين الديني والعلمي، وذلك على النحو التالي:

٣.١ منهجية البحث الديني والقرآني

في دراسة المصطلحات المتعلقة ببنية المجتمع، يمكن الاستعانة بمناهج متعددة لاستخلاص المعاني القرآنية. تتم عملية استخلاص المعاني بشكل رئيسي عبر منهجين: المنهج التاريخي (التطوري)، والمنهج الوصفي (التزامني) (باكجشي، 2008). في المنهج الوصفي، يُحلَّل المعنى على مستويين لغويين متداخلين:

1- المستوى المعجمي: ويتمثل في تحديد المعنى الأساسي والوضعي للكلمة بذاتها، دون النظر إلى سياقها أو مصاديقها أو النص الذي وردت فيه.

2- المستوى التركيبي/السياقي/الخطابي: ويهدف إلى استخلاص المعنى النسبي للكلمة ضمن النص القرآني.

يمكن تصنيف النظريات المختلفة لتحليل المعنى – مثل النظرية الإشارية، ونظرية السلوكية، ونظرية السياق، ونظرية الحقول الدلالية، والنظرية التحليلية – ضمن هذين المستويين (أحمد مختار عمر،2006).

في هذا البحث، تم اعتماد المناهج التالية لتحليل المفاهيم القرآنية:

1- الدلالة المعجمية: كمنهج وصفي (تزامني) على المستوى المعجمي، معتمداً على النظرية الإشارية.

2- نظرية الشبكات الدلالية: كمنهج وصفي (تزامني) على مستوى الخطاب.

3- الدلالة السياقية: كمنهج وصفي (تزامني) على مستوى الجملة والسياق (حسب الحاجة).

4- علم اشتقاق الكلمات: كمنهج تاريخي (تطوري)، مع التركيز على مدخل اللسانيات التوحيدية وأصل اللغات الموحد.

3. 2. منهجية البحث العلمي

بما أن البنى الاجتماعية البشرية تُعد أنظمة معقدة، فقد اعتمد هذا البحث على فيزياء الأنظمة المعقدة لتمثيل بنية المجتمع ودراسة ديناميكيته. وعليه، فإن المنهج العلمي للبحث يتضمن محورين:

1- تحديد أساليب تمثيل البنى الاجتماعية للأنظمة المعقدة (البشرية والحيوانية).

2- تقديم منهج المحاكاة القائمة على الوكلاء كأداة فعالة لدراسة ديناميكية الأنظمة المعقدة.

3. 3. منهجية الدمج بين البحث الديني/القرآني والعلمي

في مرحلة الدمج بين المنهجين العلمي والقرآني، يسعى البحث إلى:

1- بناء نموذج لبنية المجتمع من المنظور القرآني، مستنداً إلى تحليل المصطلحات القرآنية المتعلقة بالمجتمع، باستخدام أدوات تمثيل الأنظمة المعقدة.

2- نمذجة ديناميكية المجتمع (أو جزء منه) وفق التعريف القرآني، باستخدام منهج المحاكاة القائمة على الوكلاء لدراسة سلوك الأنظمة المعقدة.

هذه الدراسة تستخدم محاكاة قائمة على العوامل لتظهر أن الاهتمام المتزامن بمركزية الإمام (القيادة) والعلاقات الأخوية بين الأفراد، يُنشئ بنية دورانية مشابهة للطواف حول الكعبة؛ في حين أن هيمنة العلاقات الفردية دون محورية الولاية تؤدي إلى التفرق والانقسام .

4.  تنفيذ البحث، النتائج والمناقشة

4. 1. النظم الاجتماعية المعقدة

يُعرَّف النظام المعقد بأنه مجموعة من المكونات المتعددة التي تتفاعل مع بعضها البعض، حيث لا يمكن توقع السلوك الكلي للنظام من خلال سلوك كل مكون على حدة. وهذا يعني أن الكل في النظم المعقدة أكبر بكثير من مجموع أجزائه، حيث تُلاحظ فيه سلوكيات ناشئة وغير متوقعة.

بسبب التفاعلات بين مكونات النظام المعقد والتغذية الراجعة بينها، غالباً ما يكون السلوك الكلي للنظام غير خطي. تتمتع العديد من النظم المعقدة بقدرة على التنظيم الذاتي، بمعنى أنها قادرة على إنشاء هياكل وأنماط معقدة دون تدخل خارجي. وتُعد السلوكيات الناشئة (Emergence) سمة بارزة للنظم المعقدة، حيث تظهر هذه السلوكيات على مستوى النظام ككل ولا يمكن توقعها من مجموع سلوكيات المكونات الفردية. كما أن النظم المعقدة حساسة للظروف الأولية، حيث يمكن أن تؤدي التغيرات الطفيفة في الظروف الأولية إلى تغيرات كبيرة وغير متوقعة في السلوك طويل المدى للنظام.

ومن أمثلة النظم المعقدة:

• النظم البيولوجية مثل الدماغ البشري، النظم البيئية، والخلايا،

• النظم الاجتماعية مثل المجتمعات البشرية المختلفة، الأسواق المالية، الإنترنت، وشبكات التواصل الاجتماعي على المنصات الرقمية،

• والنظم الفيزيائية مثل الطقس والمناخ، وحركة المرور الحضرية.

لتمثيل بنية النظم المعقدة، يتم استخدام نظرية الشبكات (وأحياناً الهندسة الكسيرية). كما يمكن نمذجة ديناميكيات النظم المعقدة من خلال المحاكاة الحاسوبية. ونظراً لخاصية النشوء في هذا النوع من النظم، فإن طرق المحاكاة من الأسفل إلى الأعلى مثل المحاكاة القائمة على العوامل تكون عادة أكثر ملاءمة (أحمدي، 2022).

4. 1. 1. أنواع هياكل النظم الاجتماعية المعقدة

لتمثيل بنية النظم المعقدة، يُستخدم تمثيل الشبكات. تتكون الشبكات من مجموعة من العُقَد (Nodes) المتصلة مع بعضها بواسطة روابط (Edges)، حيث تمثل العُقَد المكونات بينما تمثل الروابط الاتصالات فيما بينها. وتبعاً لطريقة اتصال المكونات ببعضها، تظهر أنواع مختلفة من الشبكات المعقدة؛ فمثلاً، الشبكة الكاملة هي التي تتصل فيها جميع العُقَد مع بعضها، بينما في الشبكة العشوائية تتصل كل عقدة بعدد عشوائي من العُقَد الأخرى. أما في الشبكات المنتظمة، فإن نمط اتصال العُقَد يتكرر عبر كامل الشبكة. ومع ذلك، فإن معظم شبكات النظم المعقدة تتبع ترتيبين رئيسيين: شبكات العالم الصغير والشبكات عديمة المقياس (الشكل 1)، وقد تنتمي أحياناً لكلا النوعين:

شبكات العالم الصغير (Small-world Networks):

في هذه الشبكات، يرتبط معظم الأفراد بشكل غير مباشر مع بعضهم البعض، وتوجد مسارات قصيرة وفعالة لنقل المعلومات. تمتلك العديد من الشبكات الاجتماعية، بما في ذلك شبكات الحيوانات مثل العديد من أنواع الثدييات الاجتماعية كالقرود والدلافين التي تعيش في مجموعات اجتماعية معقدة ومسطحة، هذا النوع من الشبكات التفاعلية. كما أن الشبكات العصبية وشبكة الإنترنت وشبكات توزيع الكهرباء هي من هذا النوع. تكمن الميزة الرئيسية لهذه الشبكات في نقل المعلومات السريع والتنسيق الجماعي.

شبكات عديمة المقياس (Scale-free Networks):

في هذه الشبكات، يوجد عدد قليل من الأفراد الذين يمتلكون اتصالات كثيرة جداً (عُقَد مركزية)، بينما يمتلك معظم الأفراد اتصالات قليلة. يُلاحظ هذا النوع من الشبكات في العديد من أنواع الحشرات الاجتماعية مثل النمل والنحل التي تعيش في هياكل هرمية. كما أن الشبكات الاجتماعية وشبكة الإنترنت تمتلك ترتيباً من هذا النوع. وتتمثل السمة المهمة لشبكات عديمة المقياس في ثباتها ومقاومتها للاضطرابات (Meyers, 2009).

(أ) عديمة المقياس         (ب) العالم الصغير     (ج) عشوائية       
الشكل الهياكل المشهورة للشبكات المعقدة

      

4. 1. 2. ديناميكية النظم الاجتماعية المعقدة

يمكن استخدام النمذجة القائمة على العوامل لمحاكاة التطور البنيوي للشبكات الاجتماعية. في هذا النوع من النماذج، يُعتبر كل فرد في الشبكة عاملاً مستقلاً يتمتع بخصائصه وأهدافه وسلوكياته المميزة. ومن خلال تعريف قواعد بسيطة للتفاعلات بين العوامل، يمكن ملاحظة كيفية تشكل الهياكل المعقدة والهرمية تدريجياً مع مرور الوقت، وكيف تتغير حالات الأفراد نتيجة تفاعلهم مع بعضهم البعض.

يُستفاد من هذه الطريقة في محاكاة تشكيل المجموعات الاجتماعية وتمثيل التكوين التدريجي للمجموعات الاجتماعية بناءً على المصالح والخصائص المشتركة، حيث سيتم عرض بعض الأمثلة على ذلك لاحقاً. كما يمكن محاكاة كيفية ظهور القيادة في الشبكات الاجتماعية من خلال تعريف قواعد محددة لاختيار القادة.

4. 2. نماذج النظم الاجتماعية المعقدة

4. 2. 1. الهياكل الاجتماعية للحيوانات

في هذا القسم، ونظرًا لأن القرآن الكريم يطلق على التجمعات الحيوانية مصطلح ‘أمة’، سيتم دراسة الأبحاث المُنجَزة حول الهياكل الاجتماعية للحيوانات وأنواعها وديناميكياتها. تُعد شبكات التعاون الحيوانية واحدة من أكثر مجالات الدراسة إثارةً في علم الأحياء السلوكي. تُظهر هذه الشبكات علاقات معقدة بين أفراد النوع الواحد أو أنواع مختلفة، وهي ضرورية لبقاء ونجاح المجموعة الحيوانية. تتنوع الشبكات الاجتماعية الحيوانية بشكل كبير، وتتخذ هياكل مختلفة حسب النوع والبيئة والسلوكيات الاجتماعية. تظهر الشكل (2) أمثلة على تمثيل هذه الشبكات لعدة أنواع حيوانية (Brask et al., 2021).”

الشكل 2: نماذج مختلفة للشبكات الاجتماعية الحيوانية (Brask et al., 2021)

أظهرت الدراسات أن الشبكات التفاعلية بين الحيوانات ليست عشوائية بالمرة. بل هناك نوعان رئيسيان من الهياكل الشبكية الحيوانية: شبكات العالم الصغير والشبكات عديمة المقياس. وفي العديد من الأنواع الحيوانية، تجمع الشبكات التفاعلية بين خصائص كلا النوعين.

خلال عملية التطور التفاعلي داخل النوع الواحد وحتى بين الأنواع المختلفة، اكتسبت الشبكات الاجتماعية الحيوانية هياكل أكثر تطوراً، مع ظهور تجمعات هرمية ووظيفية (تكتلية):

الهيكل الهرمي: في العديد من الأنواع، تتشكل الشبكات الاجتماعية بناءً على تسلسل هرمي اجتماعي حيث يتمتع بعض الأفراد بنفوذ وقوة أكبر. على سبيل المثال، تنظم مجموعات قرود الكبوشي في عائلات كبيرة، حيث تلعب روابط القرابة دوراً رئيسياً في الحفاظ على تماسك المجموعات. في هذا الهيكل القرابي، يكون التسلسل الهرمي الاجتماعي واضحاً ومستقراً، حيث تحتل القرود الأكبر سناً والأكثر خبرة مكانة أعلى في الهرم.

الهيكل التكتلي: بعض الشبكات الاجتماعية منظمة بشكل تكتلي أو نمطي، مما يعني أن الشبكة تنقسم إلى مجموعات فرعية أصغر لكل منها وظيفة محددة.

قدمت نظريات مختلفة لتفسير ديناميكيات وتطور وانتشار التعاون بين الحيوانات. من بينها، حظيت نظريتان باهتمام خاص: نظرية اختيار القرابة والتعاون المتبادل (Krause, 2015).

توضح نظرية اختيار القرابة (Kin Selection) لماذا قد تظهر الكائنات الحية سلوكيات إيثارية لصالح أقاربها، حتى لو كانت هذه السلوكيات تضر ببقائها الفردي. وفقاً لهذه النظرية، تتشارك الكائنات الحية جينات مشتركة مع أقاربها، وكلما كانت القرابة أقرب، زادت الجينات المشتركة. يؤدي التعاون القائم على القرابة (مثل المساعدة في تربية صغار الأقارب) إلى زيادة النجاح الإنجابي للجينات المشتركة.

على سبيل المثال، تقضي نحلة عاملة حياتها كلها في جمع الطعام ورعاية الملكة واليرقات، دون أن تتكاثر بنفسها. من الناحية الجينية، تكون النحلات العاملات على قرابة وثيقة مع الملكة واليرقات. وبالتالي، من خلال مساعدة الملكة واليرقات، فهي تساعد فعلياً في بقاء الجينات المشتركة.

أما نظرية التعاون المتبادل (Reciprocal Altruism)، فتدرس السلوكيات الإيثارية التي تحدث بين الأفراد غير الأقارب. تقوم هذه النظرية على مبدأ أن الأفراد، من خلال مساعدة الآخرين، يتوقعون أن يساعدوهم في المستقبل. ولكي يكون التعاون المتبادل مستداماً، يجب أن تتكرر التفاعلات بين الأفراد. كما أن الكائنات الحية قادرة على تمييز الأفراد الذين لا يلتزمون بالتزاماتهم وتجنب التعاون معهم. على سبيل المثال، تشارك الخفافيش مصاصة الدماء فائض الدم مع بعضها البعض.

وبالتالي، تركز نظرية اختيار القرابة على علاقات القرابة وانتقال الجينات، بينما تركز نظرية التعاون المتبادل على العلاقات التبادلية وتبادل الخدمات بين الأفراد غير الأقارب. ومن المقبول على نطاق واسع في علم الأحياء السلوكي أن المجموعات الاجتماعية الحيوانية تمر خلال تطورها بمسار من التعاون القائم على القرابة نحو التعاون غير القائم على القرابة. حيث تبدأ العديد من الأنواع حياتها الاجتماعية في مجموعات عائلية يعتمد التعاون فيها أساساً على القرابة. ومع مرور الوقت وزيادة الكثافة السكانية ونضوب الموارد، تصبح علاقات القرابة وحدها غير كافية لتلبية احتياجات الأفراد. في هذه الظروف، يكتسب التعاون مع الأفراد غير الأقارب أهمية متزايدة. مما يؤدي إلى توسع شبكات التعاون ليشمل الأفراد غير الأقارب، وزيادة الترابط بين الأفراد. يظهر هذا التوسع في شبكات التعاون والتحول من التعاون القائم على القرابة إلى غير القائم عليها بوضوح خاصة عند وقوع الكوارث الطبيعية. كما يوضح الشكل (3) هذا التحول في شبكة التعاون (الاستمالة) بين قرود الكبوشي في جزيرة كايو سانتياغو بعد إعصار ماريا وانخفاض الموارد الغذائية بشكل حاد ومفاجئ (Testard et al., 2021).

الشكل 3:(ألف)مخطط التغيرات الزمنية لمؤشر الخضرة (كمؤشر للموارد الغذائية) قبل الإعصار
الشكل 3: (ب) تمثيل شبكة التعاون بين قرود الكبوشي (اليسار) قبل، و(اليمين) بعد الإعصار (الأخضر: ذكر؛ البنفسجي: أنثى) (Testard et al., 2021).

في هذه المجموعات الأكبر حجماً، يصبح التعاون المتبادل آلية حاسمة للحفاظ على التوازن ومنع الاستغلال. تطور الحيوانات في هذه المجموعات الكبيرة علاقات اجتماعية أكثر تعقيداً تشمل التعاون والتنافس وأحياناً الخيانة. يحدث هذا التحول من التعاون القائم على القرابة إلى التعاون المتبادل تدريجياً عبر الزمن، وتختلف سرعته وشدته حسب النوع والبيئة. جدير بالذكر أن العديد من الأنواع تشهد كلا النوعين من التعاون (القائم على القرابة والمتبادل) بشكل متزامن، حيث تتغير الأهمية النسبية لكل منهما حسب الظروف.

4. 2. 2. الهياكل الاجتماعية البشرية


أجريت دراسات متعددة على الشبكات البشرية، لتمثيل بنيتها، وتطوراتها وديناميكياتها، وكذلك لمحاكاة تغيرات هذه النظم المعقدة. هنا نعرض فقط نماذج لتمثيل بنية شبكة القرابة، ومحاكاة شبكات التعاون وتمثيل ديناميكية التعاون.

يوضح الشكل (4) تمثيلاً لهيكل شبكة القرابة بناءً على علاقات الزواج (Merelo & Molinari, 2024). في هذا الشكل، تمثل العقد العائلات التايوانية البارزة، بينما تمثل الروابط الزيجات بينها. عادة ما تظهر مثل هذه الشبكات مزيجاً من خصائص شبكات العالم الصغير والشبكات عديمة المقياس. نظراً لاتساع علاقات القرابة وزواج الأقارب، يمكن عادةً العثور على مسار قصير بين أي عقدتين من خلال روابط القرابة. كما أن الأقارب المقربين عادة ما يتواجدون في مجموعة مترابطة معاً. وهاتان السمتان من خصائص شبكات العالم الصغير.

بالإضافة إلى ذلك، نظراً لأنه في أي مجتمع توجد عائلات معينة – مثل عائلات شيوخ العشائر والقبائل، أو الأفراد ذوي المكانة الاجتماعية المرتفعة، أو الذين تزوجوا مرات متعددة – تتمتع بعلاقات قرابة أوسع بكثير من غيرها من العائلات، يمكن اعتبار هذا النوع من الشبكات أيضاً من نوع الشبكات عديمة المقياس.

الشكل 4: شبكة العلاقات النسبية بين مجموعة من العائلات المشهورة في تايوان (Merelo & Molinari, 2024)

الشبكة السابقة كانت نموذجًا لشبكة مبنية على علاقة القرابة السببية. في الشكل 5، نجد نموذجين لشبكة تعتمد على علاقة النسب (العلاقة الدموية) لعدة أجيال تنحدر من سلف مشترك، تعود لعائلتين من الأسر السويسرية المعروفة (Armandola, 2024). في هذه الشبكة، تم تحديد السلالة أو القبيلة باستخدام خوارزمية تجميع مناسبة، وتم تمثيلها بألوان مختلفة.

الشكل 5 شبكة العلاقات النسبية بين الأسر السويسرية المشهورة (Armandola, 2024).

للأسف، لم يُبذل جهد كافٍ في دراسة ديناميكية شبكات القرابة. في المقابل، أُجريت دراسات واسعة النطاق حول ديناميكية الشبكات الاجتماعية ذات أنواع العلاقات غير القرابية مثل الصداقة أو التعاون. فيما يلي، سنقدم نموذجًا لنمذجة ديناميكية التعاون وتشكيل تجمعات التعاون والعمل الجماعي في الشبكات الاجتماعية البشرية.

في محاكاة تشكيل تجمعات التعاون، التي تُنفّذ غالبًا في إطار نظرية الألعاب، تؤخذ شبكة اجتماعية أولية على شكل رسم بياني بتكوين معين (عشوائي، منتظم، إلخ). تمثل العقد في الرسم البياني وكلاء أو أفرادًا، بينما تمثل الحواف العلاقات بينهم. يمكن لكل وكيل i في تفاعله مع الوكلاء المرتبطين به أن يختار استراتيجية من مجموعة الاستراتيجيات {C, D} أو أحيانًا مجموعة أكثر اكتمالًا {C, D, E}، حيث ترمز C وD وE على التوالي إلى التعاون والخيانة واللامبالاة أو الانسحاب من اللعبة. اعتمادًا على نوع اللعبة، يؤدي اختيار استراتيجيات مختلفة من طرفي التفاعل إلى تحقيق قيم مختلفة من المكاسب والقيمة (أو في صياغة أخرى، الخسارة) يمكن تمثيلها في شكل مصفوفة دفع اللعبة، كما يلي:

تُظهر هذه المصفوفة أنه في حال تعاون كلا العاملين معًا، فإنهما يحصلان على مكافأة R، أما إذا خان كل منهما الآخر، فيتلقيان عقوبة P. وإذا تعاون أحدهما بينما خان الآخر، فإن المتعاون يحصل على عقوبة S بينما الخائن يحصل على مكافأة T. تختلف قيم هذه المكافآت والعقوبات باختلاف نوع اللعبة. على سبيل المثال، في لعبة معضلة السجين – كما هو موضح في الشكل 6 (أ) كمثال عددي – تكون العلاقة T > R > P > S. أما في لعبة الدجاجة (لعبة التحدي) كما في الشكل 6 (ب)، فتكون R > P و S > T. تتعلق مصفوفة المكافأة المذكورة أعلاه بحالة الاستراتيجيتين (التعاون والخيانة)، أما إذا أضيفت استراتيجية اللامبالاة، فستصبح المصفوفة ذات بعد x33. تجدر الإشارة إلى أن اللامبالين يكتفون بأرباح قليلة.

الشكل 6 أمثلة على مصفوفات المكافأة في لعبتين: (ألف) معضلة السجين
الشكل 6 أمثلة على مصفوفات المكافأة في لعبتين: (ب)  لعبة الدجاجة (لعبة التحدي)

بالإضافة إلى ذلك، تتطلب عملية المحاكاة القائمة على العوامل وفقًا لنظرية الألعاب تحديد مجموعة من قواعد تحديث الشبكة في المجالين التاليين:

1- تحديث حالة العقد: يمكن للوكلاء تغيير استراتيجيتهم تجاه الأفراد المتصلين بهم بناءً على تقييم نتائج التفاعلات السابقة. وقد تم اقتراح آليات مختلفة لهذا التغيير في الحالة، حيث يُستخدم بشكل خاص آلية تقليد الجيران الناجحين والتعزيز التعلمي.

2- تحديث حواف الشبكة: في بعض النماذج، يمكن أيضًا لهيكل الشبكة أن يتغير بمرور الوقت من خلال تكوين روابط وحواف جديدة وقطع الروابط القديمة.

يوضح الشكل 7 مثالًا على ديناميكية التغيرات في عدد الأفراد المتعاونين والخائنين واللامباليين. ويلاحظ أن نمط هذه التغيرات يعتمد بشكل كبير على هيكل المجتمع، وبالطبع في كل حالة (باستثناء الشبكة العشوائية) تتجه نحو وضع متوازن ثابت يسمى توازن ناش. يمثل هذا الوضع توازنًا لا يرغب فيه الأفراد في تغيير استراتيجياتهم. ومن الملاحظ بشكل مثير للاهتمام أن الشبكات ذات السلم الحر تعزز بطبيعتها ثقافة الخيانة. وفي الشكل 8، تم عرض مثال على كيفية تشكل تجمعات التعاون (Jusup et al., 2022).

الشكل 7 اعتماد ديناميكية انتشار التعاون على تركيب المجتمع (Jusup et al., 2022).
الشكل مثالاً على ديناميكية انتشار التعاون وتشكُّل تجمُّعات تعاونية (Jusup et al., 2022).

4. 3. الهياكل الاجتماعية من منظور القرآن

في هذا القسم، يُبذل جهد لجمع المصطلحات ذات الصلة بالمجتمع في القرآن الكريم وتحديد معانيها، ثم تقديم تمثيل بياني لهيكل المجتمع كما ورد في القرآن.

4. 3. 1. دلالات المصطلحات القرآنية الدالة على المجتمع

لم يرد مصطلح ‘المجتمع’ بمشتقاته في القرآن الكريم بالمفهوم الاصطلاحي الشائع، ولكن بالنظر إلى التعريفات والخصائص المذكورة للمجتمع، يمكن العثور على هياكل ومصطلحات اجتماعية أخرى تشكل جزئيات هذا المفهوم في آيات متعددة؛ مثل: فئة، قرن، شعوب، رهط، أمة، أولياء، أهل، أهل القرى، قوم، حزب، طائفة، قبيلة، معشر، وغيرها. مما يشير إلى أن بنية المجتمع من المنظور القرآني تكون تشكيكية وذات مراتب (فخر زارع، 1393).

في هذا البحث، سنركز على دراسة مصطلح ‘أمة’ دلالياً. مع الإشارة إلى أن التمثيل المقترح للهياكل الاجتماعية في القرآن يتضمن مفاهيم قرآنية أخرى يتعذر تناولها في هذا المقال.

وفقاً للمنهج الدلالي الإحالي، فإن مصطلح ‘أمة’ مشتق من ‘أم’، ويُطلق على الجماعة التي تجمعها روابط مشتركة كالدين الواحد، أو الزمان الواحد، أو المكان الواحد، سواء كان ذلك اختيارياً أو اضطرارياً (الراغب، ب.ت، ص86). ورد هذا المصطلح 65 مرة في القرآن الكريم، منها 52 مرة بصيغة المفرد و13 مرة بصيغة الجمع. وفي بعض الآيات، يُستخدم المصطلح للإشارة إلى المجتمع البشري أو الجماعة المتجانسة دينياً أو ذات الاتجاه المشترك، والتي تربطها روابط زمنية أو مكانية وتتبع هدفاً محدداً ببرنامج دقيق تحت رعاية الرب الواحد (انظر: النحل/36؛ الأعراف/7؛ البقرة/128 و134؛ المائدة/48).

من الناحية الاشتقاقية، فإن كلمة “أمة” ترتبط بكلمة “أم” العربية، وما يقابلها في الفارسية مثل “مام” و”ماما” و”مادر”، وفي الإنجليزية مثل “mum” و”mummy” و”mother”. فمعنى “أم” هو أصل الشيء، ومن ثم فإن كلمة “أمة” تؤكد على وحدة الجنس البشري وانبثاقه من أصل واحد وأم واحدة، رغم اختلاف الألوان واللغات. ويجدر هنا الإشارة إلى القرابة الاشتقاقية بين كلمة “أمن” العربية وكلمة “Human” الإنجليزية المشتقة من الكلمة اللاتينية “Humanus” المرتبطة بكلمة “Homo”، مما يؤكد على مفهوم الإنسانية والأمن والاستقرار البشري. كما ينبغي ذكر التقارب الاشتقاقي بين كلمتي “Home” الإنجليزية و”مأوى” العربية، اللتين تشيران إلى الموطن والمستقر الإنساني. أما العلاقة الواضحة بين مصطلحي “إمام” و”أمة” فهي جديرة بالملاحظة. ويبقى التقارب الاشتقاقي بين هذه المصطلحات في اللغة العبرية أمراً يستحق التأمل، لكننا سنتجاوزه هنا. 

وباختصار، يمكن من خلال المنهج الاشتقاقي تعريف “الأمة” (وخاصة المصطلح القرآني “أمة واحدة”) بأنها مجموعة أفراد متحدين على أساس الإنسانية (Humanity). بمعنى آخر، فإن مصطلح Humanity يتطابق لفظاً ومعنى مع مصطلح “أمة”، وهي الأمة الواحدة العالمية التي يسعى الإسلام لتحقيقها، حيث تزول فيها الفوارق المصطنعة والحدود الزائفة (الحسيني، 1386).

غير أن التحليل الدلالي السياقي لمصطلح “أمة” يكشف عن معنى أوسع، حيث يشمل في القرآن الكريم:

المجموعات الحيوانية: 

وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِی الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ یَطِیرُ بِجَنَاحَیْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُکُم… (الأنعام/ 38).

المجموعات البشرية القائمة على الثقافات الكافرة وغير العابدة:

…أُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (هود/ 48)

تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (نحل/ 63)

يُمكن القول إن التشابه الدلالي بين مصطلح Humanity والمصطلح القرآني “أمة واحدة” أكثر وضوحًا منه مع مصطلح “أمة” بمفرده، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم أيضًا في قوله تعالى:

كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ  وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ  فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (بقره/ 213)

وبهذا، فإن كلمة “أم” و”أمة” وما يقابلها في اللغات الأخرى تدل على الأصل والمنشأ، أو كل ما يتصل بالأصل والمنشأ، كالأفراد أو الأشياء ذات الصفات المشتركة (الحسيني، 1386هـ). وبالتالي، تشير إلى التجمعات البشرية التي تتوحد حول نظام قيمي واحد ومحدد. ويتبين من الآيات القرآنية أن البشر كانوا أمة واحدة، ثم نشأت الخلافات تدريجياً بسبب الأنانية والطمع، فتفرقوا إلى طوائف وأمم. 

ومن الملاحظ أيضاً أن مصطلح “أمة” قد يطلق على الفرد أو الجماعة (برازش، عليرضا، 1394هـ، ج5، ص360)، حيث يؤكد على الحدود مع بقية أفراد القوم بناءً على الاهتمام بالأصل والجذور. فمثلاً، يصف القرآن الكريم إبراهيم عليه السلام بأنه “أمة” لأنه اتبع أسلوب حياة متميزاً يقوم على اجتناب الشرك. وفي قصة قوم موسى، يقول تعالى: “وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ” (الأعراف:159)، وقد ورد في الروايات أنهم كانوا حوالي 14 أو 15 شخصاً (برازش، 1394هـ).

وتشير الآية نفسها إلى أن الله قسم قوم موسى تدريجياً إلى أمم بناءً على روابط النسب والانتماء إلى أبناء يعقوب عليه السلام: “وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا” (الأعراف:160). ثم اتخذ هذا التقسيم مع الزمن طابعاً آخر يقوم على الصلاح والفساد، فتفرقت هذه الأمم الصالحة والفاسدة من بني إسرائيل في الأرض: “وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ” (الأعراف:168).

بالإضافة إلى “الأمة الواحدة” الذي سبق شرح معناه، وردت في القرآن مصطلحات أخرى مثل “الأمة الوسطى” و”الأمة المسلمة” و”الأمة القائمة” و”الأمة المقتصدة”، ومن خلال تحليل هذه المصطلحات يتضح أنها تشير جميعًا إلى مجتمعات بشرية متقدمة تتميز بالتمسك بمعبود (إلهي أو غير إلهي)، ولها بنية فكرية وعقدية متينة، ونمط حياة خاص نابع منها، كما يظهر فيها نوع من الحركة الجماعية المتكاملة. ويمكن تصنيف هذه الأمم على أساس حركتها نحو الخيرات.  

فعلى سبيل المثال، نجد أن “الأمة الواحدة” – وفقًا للآيات 52 إلى 61 من سورة المؤمنون – تتحرك بسرعة وتسبق غيرها في السعي نحو الخيرات. أما “الأمة الوسطى” و”الأمة القائمة” فتسيران بسرعة نحو الخير، مع أن “الأمة القائمة” تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر (آل عمران/ 104)، في حين أن “الأمة الوسطى” تضيف إلى ذلك الدعوة إلى الخير. أما “الأمة المقتصدة”، فهي جماعة اختارت حركة متوسطة غير سريعة، ولا تتمتع بدين خالص، كما أنها لم تنفصل تمامًا عن نمط الحياة المادي الذي يختص به قصيرو النظر والظالمون: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ (فاطر/ 32). ولو أنهم التزموا بالطريقة الصحيحة لنزلت عليهم بركات السماوات والأرض: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ (المائدة/ 66). 

ولكن ثمة سؤالٌ مهم يطرح نفسه هنا ويحتاج إلى نقاش، وهو: هل للأمة وجودٌ مميزٌ عن وجود الأفراد وأفعالهم وآثارهم أم لا؟ يرى بعض العلماء، ومن بينهم علماء إسلاميون مثل آية الله مصباح يزدي، أن المجتمع لا يمتلك مثل هذا الوجود المستقل (مصباح، 1380).  

في المقابل، يذهب عدد آخر من المفكرين الإسلاميين إلى أن المجتمع يتمتع بوجود خاص ومتميز. فعلى سبيل المثال، يعتقد العلامة الطباطبائي أن ثمة حقيقةً اسمها “المجتمع” تتجاوز الأفراد وأفعالهم، مستندًا في ذلك إلى أوصاف القرآن الكريم لبعض الخصائص مثل الأجل والكتاب والشعور والفهم والعمل والطاعة والمعصية، التي تُنسب إلى الأمة ككل، وكذلك الأحكام التي لا يمكن إرجاعها إلى الأفراد (الطباطبائي، 1417ق، ج4، ص96). ويستدلّ على وجود هذه الحقيقة المجتمعية بما يظهره المجتمع من مقاومةٍ أمام الفرد، وهي مقاومةٌ لا يمكن نسبتها إلى فردٍ بعينه (الطباطبائي، 1417ق، ج4، ص97). 

كما يتبنى الشهيد الصدر الرأي نفسه، مستندًا إلى تلك الآيات وإلى إثباته للسُنن الاجتماعية وقوانين التاريخ، متفقًا في ذلك مع رأي العلامة الطباطبائي (الصدر، 1369). 

4. 3. 2. تقديم أدلة أخرى من مصادر دينية غير قرآنية

لقد قدّم كبار مفكري الإسلام، ولا سيما بعض علماء العصر الحديث، من خلال تبني منهج شمولي للمعارف والأحكام الإسلامية، تنظيماً وهيكلاً للمجتمع الإسلامي الإنساني المثالي، حيث تحتل مفاهيم “الأمة” و”الولاية” موقع القلب في هذه القراءة الأصيلة للإسلام. وفي هذا الصدد، لا بد من الإشارة إلى كتب مثل “شذرات المعارف” لآية الله شاه آبادي (رحمه الله)، و”مشروع رؤية إسلامية شاملة في القرآن” لآية الله خامنئي (حفظه الله)، وكذلك كتب “الحركة” و”دروس من الثورة” للشيخ علي صفائي حائري (رحمه الله). ويمكن تلخيص النسق المعرفي الذي مثّله هؤلاء العظماء على النحو التالي:

يبدأ الإسلام بالعبودية والحرية معاً. فيحرّر الإنسان ليُدرك أن مصيره مرتبط باختياره الجاد وإيمانه وأعماله النابعة منه. عليه أن يتحرك ويحمل المسؤولية بجدية. يجب أن يصبح العالم إلهياً، وأن يتحول نمط الحياة المادية إلى نمط حياة عبودية لله، حتى تتحقق الجنة – أي المجتمع الإلهي ذو النمط العبودي، حيث تتوحد إرادة الله مع إرادة العباد. لقد جاء الرسل من عند الرب لإقامة مثل هذا المجتمع بتعاون البشر، وبأقل تكلفة ممكنة. وهذا المجتمع – أو “الأمة الواحدة” – يتشكل عبر إقامة علاقات ولائية بين البشر. 

ولإقامة مثل هذا المجتمع، لا بد من تنظيم “أمة وسط”، أي شبكة طليعية قوية وقادرة (إخوان الطبسي، 2021) من المؤمنين المتصلين والمترابطين، المرتبطين ببعضهم البعض بشكل مناسب، حتى عبر العلاقات الأسرية، والمصممين على تحقيق هذا المجتمع حول ولي الله عبر استراتيجيات التقوى ومراعاة الأحكام، والإحسان والعمل المدبّر الحكيم، والجهاد والكفاح الشاق ضد كل أعداء نمط الحياة العبودي. وعندها فقط ستحل النصرة والفتح والتأييد الإلهي، وسيتحول العالم بإذن الله، وتظهر علامات ازدهار الكون وظهور الحق، وسيستمر هذا المسار حتى قيام القيامة، اليوم الذي تبلغ فيه الحياة العبودية كمالها، وتكون كل القيامات والحركات لله وحده.

4. 1. 3. الخلاصة النظریة للرؤیة القرآنیة حول المجتمع

الآن، وفي هذا القسم، وبناءً على النتائج المستخلصة من القسمين السابقين، يُقدَّم عرضٌ مُبسَّط لهيكل المجتمع في القرآن الكريم، وفقًا للشكل (9).

شكل (9): هيكل المجتمع (القوم) من المنظور القرآني

في هذا الشكل، وُجِهَ الجهدُ لتمثيل المصطلحات القرآنية المتنوعة التي تُعرِّف النظام الاجتماعي، مثل: “أمة”، و”قرية” أو “أهل القرى”، و”قوم”، وغيرها من المفاهيم.

4. 4. ديناميكية الأمة من المنظور القرآني

وفي القسم السابق، لُوحظ أن للأمة دورًا محوريًا بالغ الأهمية في الهيكل الذي يقدمه القرآن الكريم. وفي هذا القسم، يُبذل الجهد لتمثيل ديناميكية الأمة استنادًا إلى علاقة الولاية.

4. 4. 1. تقديم النموذج القائم على العوامل للأمة

في هذا النموذج البسيط القائم على العوامل، يتم إنشاء مجموعة من العوامل في توزيع عشوائي. وُضعت في الاعتبار استراتيجيتان للتعامل بينها: الصداقة (الإخاء) والقطيعة (التفرقة)، والتي تشبه إلى حد ما استراتيجيتي التعاون والخيانة في مشكلة محاكاة انتشار التعاون. تُعرّف هاتان الاستراتيجيتان لكل عامل بشكل اختياري على أنها تقريب/ابتعاد عن العامل الآخر. وُضعت قواعد التحديث لمحاكاة الاختيار البشري من خلال اختيار الاستراتيجيات بشكل عشوائي. كما تم دراسة حالتين: (1) تحديث عشوائي للشبكة باختيار عشوائي للصديق وغير الصديق في فترات محددة من ديناميكية النظام (شبكة ديناميكية)، و(2) عدم التحديث (شبكة ثابتة). النقطة المهمة والمميزة في هذه المحاكاة مقارنة بمحاكاة انتشار التعاون، هي اعتبار حركة مركزية تسعى إلى نمذجة الاهتمام بالإمام والعلاقة الولائية إلى جانب علاقة الإخاء.

4. 4. 2. المحاكاة ودراسة النتائج

في هذا القسم، يتم عرض نتائج المحاكاة للحالات المختلفة التي تم ذكرها في القسم السابق:
عندما يتواجد كل من الحركة نحو المركز (الولاية الإلهية) والحركة بين الأفراد (الإخاء) بشكل متزامن، تنشأ تلقائيًا حركة دورانية حول المركز، والتي تشبه إلى حد كبير الطواف حول بيت الله الحرام (كعبة) (الشكل 10)

الشكل 10: نشوء الحركة الدورانية حول المركز الناتجة عن الحركة المركزية والحركة البينية الفردية الاختيارية

يُذكّر هذا المشهد بما يُلاحظ في محاكيات مسألة انتشار التعاون التقليدية، التي تقوم فقط على التفاعلات بين الأفراد دون أي تركيز مركزي، حيث تظهر تجمعات متفرقة تُعرف باسم “تجمعات التعاون”. يمكن تمثيل هذا الوضع في النموذج الحالي أيضًا، وذلك بزيادة درجة الصداقة (الإخاء) وارتفاعها عن حد معين (مقارنة بالولاية المركزية)، مما يؤدي بشكل واضح إلى ظهور التشتت وحالة التفرق، كما هو مبين في الشكل 11. وهذا يُذكّر بالآية الكريمة: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا. وبالتالي، فإن الاهتمام بالمركز (الإمام) بالتزامن مع الإخاء يُعدّ عنصرًا أساسيًا في تشكيل “الأمة الوسط”، في حين أن إهمال الإمام يدفع بالنظام الاجتماعي جوهريًا نحو التفرق وتكوين التجمعات المنفصلة.

الشكل (11): نشوء حالة التفرق الناتجة عن هيمنة الحركة البينية الفردية الاختيارية على الحركة المركزية

في المحاكاة التي تم إجراؤها، يتحول النظام أحياناً وبعد مرور فترة زمنية إلى مجموعتين أو أكثر مع ذلك يكون عددها محدوداً جداً، حيث تكون إحداها عادةً مجموعة كبيرة جداً بينما تكون المجموعات الأخرى صغيرة للغاية، ويتم تبادل الأفراد بين هذه المجموعات (الشكل 12).

الشكل 12: نموذج لتشكيل مجموعة كبيرة ومجموعة أو مجموعات أصغر

تُظهر الأشكال 13 ديناميكية النظام في الحالة التي يتم فيها الحفاظ على شبكة الصداقة الأولية دون حدوث تغييرات عشوائية لاحقة. تُعد هذه المحاكاة مناسبة للحالات التي يكون الهدف فيها وصف ديناميكية النظام لعلاقات الإخاء على أساس شبكة مسبقة التحديد، مثل شبكة الرحم (القرابة).

الشكل 13: مشاهدات متعددة لديناميكية النظام في شبكة صداقة ذات تركيب ثابت

5. الخاتمة والتوصيات للبحوث المستقبلية

في هذا المقال، تمّ تقديم عرضٍ لبنى المجتمع التي يصفها القرآن الكريم من خلال التحليل الدلالي للمفردات القرآنية المرتبطة بالمجتمع. ثمّ سعينا إلى تقديم تمثيلٍ لتشكّل وديناميكية “الأمة الوسطى”، بالاعتماد على علاقة الشهود بين الرسول أو الإمام والأمة الوسطى، والعلاقة الولائية بين الأفراد والإمام من جهة، وعلاقة الأخوّة بين أفراد الأمة من جهة أخرى. وقد لوحظ أن البنية المستخلصة هي بنيةٌ دورانيةٌ ذات مركزٍ يتجلّى رمزياً في حركة الطواف حول الكعبة. كما تمّ رصد حالاتٍ أخرى في عملية المحاكاة، منها التفرّق الناتج عن إهمال الإمام، والتشتّت الجماعي الذي ينتج عن ذلك.  

تُشير هذه الدراسة إلى أن البحث المُنجَز يُعدّ محاولةً أوليةً لتقديم مفهوم النمذجة وإمكانية تطبيقه باستخدام مُسلّمات إسلامية في مجال الدراسات الاجتماعية. ومن الواضح أن هذه النمذجة تتطلّب دراساتٍ موسّعةً لتحديد المفاهيم والمُسلّمات الإسلامية بدقّةٍ في مجال بنية المجتمع وديناميكيته من ناحية، وتعريفها ضمن إطار رياضيٍ مناسبٍ من ناحية أخرى. لذلك، يُقترح في الدراسات المستقبلية تناول النقاط التالية:  

1. دراسة البنية التكوينية للعالم ونظام الولاية فيها ودورها في تشكيل الأمة** (الأخوّة، 2018).  

2. تحليل تأثير شهود الإمام وإرادته على الأمة**، عبر التغيير في القوانين الولائية والأخوية. وتجدر الإشارة إلى أن النموذج المقدم في هذا البحث قد درس تأثير تغيير القوانين البينفردية – والتي تتمّ عادةً عبر تصرّف الولي على الأمة – إلا أن هذا المقال لا يتّسع لمعالجة هذا الموضوع بالتفصيل.  

References:

  1. القرآن الكريم  
  2. عمر، أحمد مختار (2006). علم الدلالة. ترجمة: سيد حسين سيدي. مشهد: منشورات جامعة فردوسي مشهد.  
  3. أحمدي، علي محمد (2022). استعراض للنماذج الرياضية الحالية في ديناميكية النظم السلوكية والاجتماعية. الحضارة الإسلامية الجديدة، التابعة لمعهد ثقافة العلوم الإسلامية.  
  4. الأخوان الطبسي، محمد حسين؛ فرهي، محمد مهدي؛ شجاعي، حسين (2022). تأصيل مادة “وَسَط” وقراءة سياقات استخدامها في آيات القرآن الكريم. دراسات قرآنية وثقافة إسلامية، 6(3)، 1-21.  
  5. الأخوت، أحمد رضا (2018). مسيرة ازدهار الأمة – المُنزِل للرحمة والفضل والإحسان. طهران: نشر قرآن وأهل بيت النبوة.  
  6. الحسيني، محمد علي (2007). اللسانيات التوحيدية – النظرية والتطبيق. ترجمة: سيد حسين سيدي. مشهد: منشورات جامعة فردوسي مشهد.  
  7. برازش، عليرضا (2015). تفسير أهل البيت عليهم السلام. طهران: منشورات أمير كبير.  
  8. بيرو، ألبان (1987). معجم العلوم الاجتماعية. ترجمة: باقر ساروخاني. طهران: منشورات كيهان.  
  9.  باك تشي، أحمد (2008). مقدمة في مدارس علم الدلالة المعاصرة. نامه پژوهش فرهنكي، العدد 3.  
  10.   الراغب الأصفهاني، حسين(بدون تاريخ). مفردات ألفاظ القرآن الكريم. تحقيق: صفوان عدنان الداودي. الطبعة الثالثة، قم: منشورات ذوي القربى.  
  11.   ساروخاني، باقر (1996). موسوعة العلوم الاجتماعية. المجلد 2. طهران: منشورات كيهان.  
  12.  سوويه، توما (1979). معجم المصطلحات الاجتماعية والاقتصادية. ترجمة: خليل مكي. الطبعة الثانية. طهران: منشورات رواق.  
  13. الصدر، محمد باقر (1990). السنن التاريخية في مدرسة القرآن. طهران: نشر رجاء.  
  14. صليبا، جميل (1991). معجم الفلسفة والعلوم الاجتماعية. ترجمة: كاظم برگ نيسي وصادق سجادي. الطبعة الأولى. طهران: الشركة المساهمة للنشر.  
  15. الطباطبائي، محمد حسين (1997). الميزان في تفسير القرآن. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.  
  16. فخر زارع، سيد حسين (2014). المجتمع من منظور القرآن. پژوهشنامه معارف قرآني، 5(16)، 93-122.  
  17. كلانتري، عبد الحسين؛ ومهدي زاده، منصورة (2012). دراسة المسألة الاجتماعية من وجهة نظر الشهيد محمد باقر الصدر. مجلة النظريات الاجتماعية للمفكرين المسلمين، 2(2)، 1-16.  
  18. كينغ، صموئيل (1976). علم الاجتماع. ترجمة: ربيع مشفق همداني. الطبعة السادسة. طهران: نشر سيمرغ.  
  19. غولد، جوليوس؛ وكولب، ويليام إل (1997). معجم العلوم الاجتماعية. ترجمة: فريق مترجمين. الطبعة الأولى. طهران: نشر مازيار.  
  20. مصباح يزدي، محمد تقي (2001). المجتمع والتاريخ من وجهة نظر القرآن. الطبعة الخامسة، طهران: منشورات منظمة التبليغ الإسلامي.  
  21.  مطهري، مرتضى (2005). المجتمع والتاريخ. الطبعة السابعة عشر. طهران: منشورات صدرا.  
  22. Armandola N.G. (2024). A clan detector algorithm to identify independent clans in the kinship networks of elite family dynasties. Social Networks 79, 168-186.
  23. Jusup M., Holme P., Kanazawa K., Takayasu M., Romić I., Wang Z., Geček S., Lipić T., Podobnik B., Wang L., Luo W., Klanjšček T., Fan J., Boccaletti S., Perc M. (2022). Physics Reports 948, 1-148.
  24. Krause J., James R., Franks D., Croft D. (2015). Animal Social Networks. Oxford University Press.
  25. Merelo, J.J., Molinari, M.C. (2024). Intra-family links in the analysis of marital networks. J Comput Soc Sc 7, 425–449.
  26. Meyers, R. A. (2009). Encyclopedia of Complexity and Systems Science. Springer.
  27. Pentland, Alex (2014). Social Physics: How Good Ideas Spread-The Lessons from a New Science. ‎Penguin Press.
  28. Testard C., Larson S.M., Watowich M.M., Kaplinsky C.H., Bernau A., Faulder M., Marshall H. H., Lehmann J., Ruiz-Lambides A., Higham J.P., Montague M.J., Snyder-Mackler N., Platt M.L., and Brent L.J.N. (2021). Current Biology 31, 2299–2309.