Main content starts here
القلب في القرآن والعلوم المعرفية – من حقيقة مدهشة إلى مركز مجهول لاتخاذ القرار والمشاعر

القلب في القرآن والعلوم المعرفية – من حقيقة مدهشة إلى مركز مجهول لاتخاذ القرار والمشاعر

Go to content

درمن بين أعضاء الجسم، لم يحظَ أي عضو بجدلٍ يفوق ما حظي به القلب، سواء في النصوص الدينية أو الاكتشافات العلمية. يقدم القرآن الكريم في وصفٍ لا يزال يتحدى المعرفة البشرية، القلبَ كمركز للتعقل والفهم وإدراك الحقيقة. تكرر في آيات عديدة أن القلب “يبصر” و”يفقه” و”يهتدي” و”ينحرف” بل ويُختَم عليه. ولكن هل هذه مجرد استعارات؟ هل يتحدث القرآن عن حقيقة روحية محضة، أم يشير إلى أبعاد مادية للقلب تتجاوز ذلك؟

لعل الآية التي تُقدّم أكثر الإشارات وضوحًا إلى الطبيعة المادية للقلب هي قوله تعالى :
﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍۢ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ﴾ (الأحزاب: 4)

. هنا يؤكد القرآن بوضوح على وحدة القلب في الجسد البشري، ويصفه كعضو مادي في الجوف. والأكثر إثارة للدهشة، وصف الإمام علي (ع) في نهج البلاغة للقلب بأنه “لحمَةٌ معلَّقة بالعروق” من أعجب الأشياء، إذ يجتمع فيه منبع الحكمة ونقيضها. هذا الوصف يبرز ثنائية القلب: فهو موضع الهداية كما يحتمل الضلال. ورغم أن معظم المفسرين يرون في هذا إشارة إلى الحقيقة الروحية للقلب، إلا أن العلوم المعرفية الحديثة تكشف حقيقة مذهلة: القلب ليس مجرد مضخة، بل له دور في الإدراك والمشاعر واتخاذ القرار وحتى المعرفة.في العصور القديمة، اعتبر العديد من الفلاسفة والأطباء، بما فيهم أرسطو، القلبَ المركز الرئيسي للمعرفة واتخاذ القرار. لكن بعد اكتشاف ويليام هارفي للدورة الدموية في القرن السابع عشر، تغيرت هذه النظرة جذريًا، وأصبح الدماغ هو مركز التحكم في الجسم دون منازع. لقد كان هذا التحول جذريًا لدرجة أن المعتقدات السابقة عن علاقة القلب بالإدراك أُهملت تمامًا. لكن اليوم، تظهر اكتشافات علم الأعصاب أن المعادلة ليست بهذه البساطة. اكتشاف أكثر من 40 ألف خلية عصبية في القلب، وقدرته على معالجة المعلومات بشكل مستقل، وإرسال إشارات إلى الدماغ تؤثر في القرارات والمشاعر، كل هذا يشير إلى أن القلب أكثر من عضو فسيولوجي – بل يمكن اعتباره “دماغًا ثانيًا” في حوار مستمر مع الدماغ الرئيسي.

من أكثر الأبحاث إثارةً، دراسة أجريت باستخدام البصريات الوراثية (Optogenetics) أظهرت بدقة أن تغيير معدل ضربات القلب – دون أي تدخل من الدماغ – يمكن أن ينشط دوائر القلق مباشرة. في هذه التجربة، حفز العلماء خلايا القلب لزيادة معدل الضربات دون أي تغيير في الدماغ. كانت النتيجة مدهشة: زيادة معدل ضربات القلب وحدها سببت سلوكيات قلق. هذا يعني أن القلب أكثر من مضخة – إنه عامل فاعل في تنظيم المشاعر.

وليس هذا كل شيء. في دراسة نُشرت في مجلة Science، اكتشف العلماء بالصدفة أن البصلة الشمية في الدماغ تحتوي على مستقبلات كهرضغطية (Piezoelectric) تستشعر الاهتزازات الميكانيكية. هذا الاكتشاف غيّر فهمنا لمعالجة المعلومات في الدماغ، إذ أظهر أن الدماغ لا يعتمد فقط على الإشارات الكهروكيميائية، بل يتلقى أيضًا إشارات ميكانيكية – مثل التغيرات الناتجة عن إيقاع القلب – ويعالجها. أي أن القلب لا يرسل إشارات بيولوجية فحسب، بل قد يؤثر في الدماغ عبر ذبذباته الإيقاعية على مستوى لم يُفهم بعد بالكامل.

ما يعقّد العلاقة بين القلب والإدراك أكثر هو مفهوم “تغير معدل ضربات القلب” (HRV). يرتبط HRV – الذي يعكس مرونة الجهاز العصبي في تنظيم ضربات القلب – ارتباطًا مباشرًا بالوظيفة المعرفية والصحة النفسية. تظهر الدراسات أن الأشخاص ذوي HRV المرتفع يتفوقون في اتخاذ القرار والتحكم الذاتي والإدراك الاجتماعي. في المقابل، يرتبط انخفاض HRV بالاكتئاب والقلق وحتى الخرف. الآن، أبحاث جديدة على فئران معدلة جينيًا ذات معدل ضربات قلب أعلى وHRV أقل، أظهرت أن موجاتها الدماغية تنتج أنماطًا مختلفة عن الفئران السليمة. هذا يؤكد مرة أخرى أن تغيرات إيقاع القلب قد تؤثر في بنية الدماغ ووظيفته بما يتجاوز الآثار الأيضية.

المدهش أن العديد من هذه الاكتشافات نُشرت في السنوات 3-4 الأخيرة فقط. الدراسات التي تثبت تجريبيًا دور القلب السببي في تنظيم الإدراك والمشاعر، نُشرت معظمها في عامي 2023 و2024. هذا يعني أن العلم يعيد الآن النظر في مفاهيم أساسية ظلت مسلّمات لقرون.

ولعل أكثر المواضيع إثارة للجدل هو زراعة القلب. تقارير عديدة عن مرضى مروا بتغيرات في المشاعر والاهتمامات وحتى ذكريات بعد زراعة القلب، دفعت بعض العلماء لبحث فرضية “الذاكرة الخلوية”. بعض متلقي القلوب طوروا فجأة اهتمامات بموسيقى كانوا يكرهونها، أو أطعمة لم يسبق أن تناولوها قبل الزرع، بل وردت حالات اختبروا فيها ذكريات يبدو أنها تعود للمتبرع. رغم عدم وجود تفسير علمي قاطع، تطرح هذه النتائج تساؤلات: هل تُخزَّن معلومات في خلايا القلب تتجاوز المستوى الجيني؟ هل يمتلك القلب نوعًا من الذاكرة؟

تقودنا هذه البيانات إلى احتمال أن القرآن أشار قبل 1400 عام إلى حقيقة بدأ العلم للتو في كشفها. عندما يصف القرآن القلب كمركز للهداية والتعقل وحتى الانحراف، هل نعتبر هذا مجرد تعبير مجازي؟ أم قد يكون هناك طبقة من الواقع البيولوجي لم يكشف العلم عنها تمامًا بعد؟

بالتأكيد، ما زال الوقت مبكرًا للإجابة القاطعة. لكن المؤكد أن دور القلب في تنظيم السلوك والمشاعر وحتى الإدراك يتجاوز بكثير ما كنا نتصور. هذه النتائج ستكون لها تأثيرات عميقة ليس فقط في الطب وعلم الأعصاب، بل أيضًا في الفلسفة واللاهوت. وكما يختم القرآن بعض أمثاله العلمية: ﴿إِنَّ فِی ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ﴾ – “إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب”.

برای اطلاع بیشتر کلیک کنید.